في خضم التحولات الجيوسياسية والعسكرية التي تعصف بالمنطقة، تكشف أرقام صندوق النقد الدولي لعام 2025 عن مشهد اقتصادي مختلف: إسرائيل تحتل المرتبة الثالثة بين أكبر اقتصادات الشرق الأوسط، خلف تركيا والسعودية، في وقت يُعاد فيه رسم ميزان القوة المالية الإقليمية بهدوء بعيدًا عن ضجيج السياسة.
تتصدر تركيا المشهد الاقتصادي بإجمالي ناتج محلي يبلغ نحو 1.57 تريليون دولار، محافظةً على موقعها كأكبر اقتصاد في الشرق الأوسط. هذا الرقم يعكس قفزة كبيرة مقارنة ببداية الألفية، رغم أن أنقرة لا تزال تواجه تحديًا داخليًا يتمثل في معدلات تضخم مرتفعة بلغت 31.07% في أواخر 2025، مع توقعات بانخفاضها تدريجيًا خلال العام المقبل. وبين النمو المتواصل والضغوط النقدية، تواصل تركيا تثبيت موقعها كقوة اقتصادية إقليمية أولى.
في المرتبة الثانية، تأتي المملكة العربية السعودية بناتج يقارب 1.27 تريليون دولار. ورغم استمرار اعتمادها الكبير على عائدات النفط – التي تمثل نحو 22.3% من الناتج المحلي و55% من إيرادات الحكومة – فإن برنامج “رؤية 2030” بدأ يُحدث تحولًا تدريجيًا في بنية الاقتصاد، مع نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.7% في أحد فصول العام الماضي. هذا المسار يعزز مكانة المملكة كقوة اقتصادية عربية صاعدة، تتحرك بخطى ثابتة نحو تنويع مصادر دخلها وتقليل الارتهان للنفط.
أما إسرائيل، فتحل ثالثًا بناتج يبلغ نحو 611 مليار دولار. ورغم الضغوط الأمنية والحروب التي أثرت على الاقتصاد، لا سيما انكماش بنسبة 3.5% في أحد فصول 2025 نتيجة التصعيد العسكري، أظهر قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي تعافيًا لافتًا، مع صفقات وعمليات استحواذ وإدراجات بلغت قيمتها 58.8 مليار دولار، بزيادة كبيرة مقارنة بالعام السابق. هذا الأداء يؤكد أن الاقتصاد الإسرائيلي لا يزال يعتمد بقوة على قطاع الابتكار والتكنولوجيا كرافعة رئيسية للنمو.
في المرتبة الرابعة، تأتي دولة الإمارات العربية المتحدة بناتج يناهز 569 مليار دولار، مع توقعات بنمو يقارب 4.9% في 2025. وقد نجحت الإمارات في بناء نموذج اقتصادي متنوع يتجاوز النفط، حيث تشكل قطاعات السياحة والتجارة والخدمات المالية والعقار والتكنولوجيا ركائز أساسية في اقتصادها. ويُقدّر نصيب الفرد من الناتج المحلي وفق تعادل القوة الشرائية بنحو 82 ألف دولار، ما يضعها بين الأعلى في المنطقة.
أما إيران، فتحتل المرتبة الخامسة بناتج يقارب 356.5 مليار دولار، مع تراجع في توقعات النمو إلى نحو 0.7% فقط في 2025، في ظل تشديد العقوبات الدولية وتقلص إيرادات النفط وصعوبة جذب الاستثمارات.
تعكس هذه الأرقام حقيقة واضحة: ميزان القوة الاقتصادية في الشرق الأوسط لم يعد محكومًا فقط بخطابات الصراع، بل بمعادلات النمو والتنويع والاستثمار. دولتان تتقدمان على إسرائيل في الحجم الاقتصادي – تركيا والسعودية – بينما تسعى دول الخليج إلى إعادة صياغة نموذجها التنموي، وتتمسك إسرائيل بتفوقها في قطاع التكنولوجيا، في حين تواجه إيران ضغوطًا مركبة تعيق توسعها.
وتشير توقعات البنك الدولي إلى أن النمو الإقليمي سيبلغ 2.8% في 2025 و3.3% في 2026، مدفوعًا بأداء أفضل من المتوقع في دول مجلس التعاون الخليجي وبعض الدول المستوردة للنفط. إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، من تباطؤ الطلب العالمي إلى تشديد الشروط المالية وتجدد التوترات الجيوسياسية.
في المحصلة، يكشف ترتيب 2025 أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تموضع اقتصادي هادئة ولكن عميقة. وبين صعود أنقرة، وتحول الرياض، وثبات تل أبيب، وطموح أبوظبي، وضغوط طهران، يبقى السؤال مفتوحًا: أي نموذج اقتصادي سيصمد في العقد المقبل؟ ومن سيمسك فعليًا بمفاتيح القوة المالية في المنطقة؟