يعتبر الخبير الاقتصادي منير يونس، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن الأزمة الراهنة “متعددة الرؤوس”، موضحاً أن خلفيتها تعود إلى مناقشات الموازنة الأخيرة، حين التزمت الحكومة، تحت ضغط تحركات المعلمين والمتقاعدين وضغط النواب، بزيادة رواتب القطاع العام، ومنحت نفسها مهلة حتى نهاية شهر شباط لإقرارها، في جلسة علنية أمام الرأي العام.
وأشار يونس إلى أن وزير المال ياسين جابر، عند دراسته ملف الرواتب وزيادتها، قدّم إلى الحكومة اقتراحاً قضى بمنح زيادات تعادل ما بين أربعة وستة أضعاف الراتب الأساسي، علماً أن الرواتب لا تزال تُحتسب على أساس ما قبل الأزمة. وقد جرى إعداد تقدير للكلفة، انطلاقاً من قاعدة باتت تحكم المالية العامة في لبنان، والتي يطلبها صندوق النقد الدولي، وهي أن “كل نفقة إضافية يجب أن يقابلها إيراد”، بعدما تعذّر اللجوء إلى الاقتراض لتمويل النفقات الجارية، في ظل توقف الدولة عن سداد ديونها.
وأوضح أن النقاش داخل مجلس الوزراء أمس تمحور حول كيفية تمويل هذه الزيادة، لتخلص الحكومة إلى خيار فرض رسم إضافي على المحروقات وزيادة ضريبة القيمة المضافة (TVA). ولفت إلى أن رسم المحروقات يمكن إقراره بقرار حكومي، فيما تتطلب زيادة الـTVA موافقة مجلس النواب.
ضرائب غير مباشرة تصيب الجميع
ورأى يونس أن هذا التوجّه يندرج ضمن ما يُعرف بالضرائب غير المباشرة، التي “تصيب العموم ولا تميّز بين غني وفقير”، بخلاف الضرائب المباشرة التي تُفرض على أرباح الشركات وأصحاب الرساميل والدخول المرتفعة. ووصف الضرائب غير المباشرة بأنها “ضرائب عمياء”، لأنها لا تراعي القدرة التكليفية للمواطنين، لكنها في المقابل الأسهل والأسرع جبايةً.
وأضاف أن زيادة واحد في المئة على الـTVA، في حال إقرارها في مجلس النواب، تشكّل مورداً سريعاً للخزينة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى رسم المحروقات الذي يبدأ تحصيله فور صدوره، ما يتيح للحكومة تأمين إيرادات فورية لتمويل الرواتب.
ماذا يطلب صندوق النقد؟
في المقابل، شدد يونس على أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قدّما دراسات لوزارة المال تؤكد ضرورة إجراء إصلاح ضريبي شامل، يقوم على نقل العبء الضريبي نحو الفئات الأكثر قدرة، أي أصحاب المداخيل المرتفعة والشركات والأرباح الكبرى.
وأوضح أن القاعدة المعتمدة في الدول الليبرالية تقضي بأن تشكّل الضرائب على الأرباح والدخول المرتفعة أكثر من 30% من إجمالي الإيرادات العامة، فيما لا تتجاوز هذه النسبة في لبنان 10%، ما يعكس اختلالاً واضحاً في توزيع العبء الضريبي، بحيث يدفع الأكثر قدرة أقل بكثير مما يفترض مقارنة بذوي الدخل المحدود.
وانتقد وزير المال ومعظم أعضاء الحكومة، الذين وصفهم بـ“برو بزنس”، بمعنى أنهم أكثر قرباً من القطاع الخاص، معتبراً أن الأسهل عليهم هو فرض ضرائب على العموم بدل التوجه نحو ضرائب تطال أصحاب القدرة المالية. واعتبر أن اللجوء إلى الضرائب غير المباشرة يعكس استسهالاً في المعالجة، في ظل وجود هيئات اقتصادية ولوبيات قوية من قطاعات مصرفية وصناعية، وأصحاب امتيازات وأملاك بحرية وكسارات ومقالع، تمارس نفوذاً كبيراً، إلى حد يمكن القول إنهم “الدولة”، ما يدفع الحكومة إلى تجنّب الصدام معهم وتفضيل تحميل العبء للعموم.
تداعيات تضخمية واسعة
وحذّر يونس من أن رفع رسم المحروقات 300 ألف ليرة، إضافة إلى أي زيادة محتملة على الـTVA، سينعكس مباشرة على الأسعار. فمستورد المحروقات سيحمّل الكلفة الإضافية للمحطات، وهذه بدورها ستنقلها إلى المستهلكين، سواء عبر كلفة التنقل الشخصي أو عبر ارتفاع كلفة نقل البضائع.
وأشار إلى أن جميع السلع تقريباً تتأثر بكلفة النقل، ما يعني ارتفاعاً في أسعار الغذاء وسائر المنتجات، الأمر الذي سيؤدي إلى موجة تضخمية إضافية فوق معدل التضخم القائم الذي يناهز 14 إلى 15%. وشرح أن التضخم يعني تآكل القدرة الشرائية، بحيث تصبح قيمة المئة دولار اليوم أقل غداً من حيث كمية السلع التي يمكن شراؤها بها.
واعتبر أن ما يجري يشكّل حلقة تضخمية: فالحكومة تمنح زيادات لنحو 400 ألف موظف ومتقاعد، أي ما يقارب مليوناً ونصف مليون مستفيد مع عائلاتهم، لكنها في المقابل تسحب جزءاً كبيراً من هذه الزيادة عبر رفع الأسعار. وحتى الموظفون أنفسهم سيتأثرون بارتفاع كلفة البنزين والسلع، فيما سيتضرر أكثر العاملون في القطاع الخاص وذوو الدخل المحدود الذين لن يستفيدوا من أي زيادات.
وأضاف أن هذا الواقع قد يدفع العاملين في القطاع الخاص إلى المطالبة بدورهم بزيادات، ما يخلق ضغوطاً إضافية على المؤسسات، وربما يفضي إلى حالات صرف أو بطالة، في ظل عدم قدرة بعض الشركات على تحمّل الأكلاف.
هروب من إعادة الهيكلة
وفي جانب آخر، كشف يونس أن صندوق النقد الدولي كان قد نصح الحكومة بعدم التورط في زيادات قبل إجراء إعادة هيكلة شاملة للقطاع العام، لافتاً إلى وجود فائض في بعض القطاعات مقابل شواغر في قطاعات أخرى، فضلاً عن تشوّه كبير في هيكلية الرواتب والأجور وتعدد صيغ التوظيف بين متفرغين ومتعاقدين وأجراء ومثبتين، إضافة إلى بدلات وحوافز متشعبة تجعل النظام معقداً وغير مفهوم.
وأوضح أن المطلوب كان إجراء إصلاح إداري شامل، يشمل تحديد الحاجات الفعلية، وإدخال المكننة، واعتماد أساليب الإدارة الحديثة، والوصول إلى حجم واقعي للقطاع العام. وأقرّ بأن إعادة الهيكلة قد تكون مؤلمة لمرة واحدة، حتى لو استدعت الاستغناء عن عدد من الموظفين، لكنها تبقى أقل كلفة من “وجع مستدام” يتمثل في تضخم دائم وحلقات متكررة من زيادات تموَّل بضرائب تصيب الجميع.
وختم يونس بالتأكيد أن ما يحصل اليوم هو “هروب من الإصلاح البنيوي”، واعتماد حلول سريعة وسهلة الجباية، لكنها تحمل كلفة اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد، وتكرّس حلقة مفرغة من التضخم وتآكل القدرة الشرائية.