وفي هذا السياق، تبرز جولات التفاوض الأخيرة بوصفها اختباراً حقيقياً لإمكانية التوصل إلى تفاهم شامل يجمع بين البعدين النووي والاقتصادي من دون الفصل بينهما.
وفي حديث إلى "ليبانون ديبايت"، اعتبر المحلل السياسي والخبير في الشأن الإيراني توفيق شومان أنه بالمقارنة مع الجولة الثانية من المفاوضات هذا الشهر، يمكن القول إن مواقف المتنافسين باتت أكثر تباعداً. ومع ذلك، أشار إلى أن وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف وصف الجولة الثانية بأنها خطوة في الاتجاه الصحيح، إذ فتحت الباب أمام مفاوضات أكثر تفصيلاً.
وأوضح شومان أن الملف الاقتصادي كان متقدماً وموازياً للملف النووي في مسار التفاوض، معتبراً أن الهدف الأميركي يتجلى في ممارسة ضغط عسكري وسياسي على إيران لدفعها نحو اتفاقات اقتصادية قائمة على الاستثمار الأميركي في الاقتصاد الإيراني، ولا سيما في قطاعات الطاقة والغاز والنفط.
ولفت إلى أن إيران تُعد من الدول الكبرى في احتياطات الطاقة، إذ تمتلك ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم، ومن بين الدول الأربع الأولى في احتياطي النفط، ما يجعل هذا القطاع نقطة جذب أساسية في أي تفاهم محتمل.
وبحسب شومان، فإن الإيرانيين يتطلعون بدورهم إلى فتح المجال أمام الاستثمارات الغربية والأميركية، انطلاقاً من مبدأ "الربح المتبادل".
ويرى أن الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي يشكل هدفاً استراتيجياً لطهران، خصوصاً أن العقوبات المفروضة عليها كانت السبب الرئيسي في تعثر مسارات التفاوض السابقة، ما استدعى إشراك خبراء اقتصاديين إلى جانب الخبراء النوويين في المحادثات.
وأشار إلى أن رفع العقوبات بشكل فعلي قد يسمح لإيران بإعادة تصدير ما بين 3 و4 ملايين برميل نفط يومياً، في حين أن صادراتها الحالية تدور حول مليون ونصف المليون برميل يومياً.
وهذا، برأيه، يمثل أولوية إيرانية قصوى في المرحلة الراهنة. كما شدد على أن العلاقات مع الغرب تُعد جزءاً أساسياً من الرؤية السياسية الإيرانية، رغم خيار التوجه نحو الشرق.
وأكد أن القاعدة العامة للسياسة الإيرانية ليست "شرقية ولا غربية"، بل قائمة على التوازن والانفتاح المشروط بالمصلحة الوطنية، وهو ما تحاول طهران تكريسه في المفاوضات الجارية.
وفي المقابل، أوضح أن الأميركيين يدركون أن زيادة الضغط على إيران قد تدفعها أكثر نحو الصين، وهو ما تعتبره واشنطن خسارة استراتيجية لها.
ومن هنا، فإن المقاربة الأميركية تقوم على التوصل إلى اتفاق مع إيران من منظور أمني بالدرجة الأولى، فيما يصر الإيرانيون على أن يكون الاتفاق قائماً على مكاسب مشتركة، بما في ذلك مشاركة شركات أميركية وغربية في قطاع الطاقة الإيراني وتصدير النفط إلى الخارج.
وأضاف شومان أن الجولة الثانية، وإن لم يُحدد موعد الجولة الثالثة بعد، ستُحال نتائجها ومبادئها التوجيهية إلى الخبراء النوويين والاقتصاديين في كلا البلدين لدراستها، متوقعاً أن يستغرق تحديد الجولة المقبلة في أقل من أسبوع.
وأكد أنه لا يمكن فصل المسارين النووي والاقتصادي في عملية التفاوض، إذ يشكلان معاً الإطار العام للتفاهمات المرتقبة.
أما في ما يتعلق بالملف الصواريخ البالستية ، فيلفت إلى أن النقاش في الجولة الثانية لم يتطرق إلى هذا الملف، خلافاً للملفين النووي والاقتصادي اللذين شهدا تقدماً نسبياً.
وختم بالتأكيد على أن البرنامج النووي الإيراني يبقى قابلاً للتفاوض، رغم حساسيته وتشعبه، لا سيما مع استعداد طهران لخفض بعض مستويات التخصيب، إلا أن القضية الجوهرية في المرحلة الحالية تبقى اقتصادية بامتياز، وتتمثل في رفع العقوبات وإعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي ضمن صيغة تضمن مصالح الطرفين، بمعنى "رابح -رابح" وليس "هيمنة – رابح".