شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على أن أزمة المواطنة في لبنان تعود إلى غياب الاعتراف السياسي الكامل بحقوق الفرد بالاستقلال عن انتمائه الطائفي، معتبراً أن إعاقة نمو المواطنة تقع مسؤوليتها على النظام السياسي القائم على الطوائف ودورها، ولو جاء ذلك على حساب حقوق الأفراد.
كلام سلام جاء خلال مؤتمر "المواطنية وسيادة الدولة: الواقع الراهن وآفاق المستقبل"، الذي نظمته الجمعية الثقافية للتوعية برعايته، وبالتعاون مع مشروع وطن الإنسان، في المكتبة الوطنية – الصنائع في بيروت، بحضور وزير الثقافة وعدد من الشخصيات الفكرية والسياسية.
استهل سلام مداخلته بالتذكير بما ينص عليه الدستور اللبناني في مادته السابعة لجهة المساواة الكاملة بين اللبنانيين في الحقوق المدنية والسياسية والواجبات العامة، مشيراً إلى أن هذه القاعدة تؤكد مبدأ المساواة في المواطنة على أساس الصفة المشتركة كـ"لبنانيين".
ولفت إلى أن هذه المساواة تتجلى في إطار القانون الجزائي وفي ما يتعلق بالموجبات والأموال في القانون المدني، حيث يتمتع اللبنانيون بالحقوق نفسها من دون تمييز ديني أو اجتماعي. إلا أنه أشار إلى أن الأمر يتبدّل في مسائل الأحوال الشخصية، حيث يخضع كل لبناني لنظام خاص بطائفته، ما يؤدي إلى انقلاب مبدأ المساواة إلى تمييز فعلي بين المواطنين.
ورأى سلام أن انعدام المساواة يظهر بصورة أوضح في ممارسة الحقوق السياسية، إذ إن تبوء الوظائف العامة الرئيسية، السياسية والإدارية، يخضع في الممارسة لنظام توزيع طائفي يتعارض مع ما نصت عليه المادة السابعة من الدستور.
وأشار إلى أن المناصب السياسية العليا باتت محصورة عملياً بالطوائف الكبرى، فيما لا يتاح لأبناء الطوائف الأضعف عدداً سوى الوصول إلى حقائب وزارية، في حين يكاد طريق الطوائف الأصغر، التي توصف بالأقليات، إلى الوظائف العامة يكون مغلقاً بالكامل.
وأكد أن هذا المنطق يحوّل اللبنانيين من مواطنين متساوين إلى أعضاء في طوائف تتمتع بحقوق سياسية متفاوتة، وهو ما يتناقض بوضوح مع مفهوم المواطنة.
وفي ما يتعلق بالوظائف الإدارية، ذكّر سلام بما تنص عليه المادة 12 من الدستور من أن لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة على أساس الاستحقاق والجدارة، إلا أنه أشار إلى أن الاعتبارات الطائفية والسياسات الزبائنية شوّهت تطبيق هذا الحق.
كما تناول المادة 95 من الدستور التي تنص على إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة، باستثناء وظائف الفئة الأولى التي تكون مناصفة بين المسيحيين والمسلمين من دون تخصيص وظيفة لطائفة معينة، لافتاً إلى أن الممارسة ذهبت أبعد من ذلك، فتم تكريس القاعدة الطائفية في مختلف فئات الإدارة، وصولاً إلى أدنى الرتب.
وأشار إلى أن عدداً من الوظائف في الإدارة والسلك الدبلوماسي والقضاء والجيش والأجهزة الأمنية بات مخصصاً فعلياً لأبناء طوائف محددة، معتبراً أن سيادة الانتماء المذهبي والمحسوبية في التعيينات تقوّض مبدأي الاختصاص والكفاءة، رغم الآلية التي أقرتها الحكومة في هذا المجال.
وأكد سلام أن نظام المحاصصة الطائفية، وإن كان يُفترض أنه ينظم حالة التعايش بين الطوائف، إلا أنه بات بفعل تراتبية الحقوق المتباينة الناتجة عنه، مصدر ضرر على الدولة والمواطنين وعلى فعالية الإدارة ومستوى الخدمات.
وأضاف أن المنطقين الطائفي والفردي لا يلغيان بعضهما في لبنان اليوم، بل يتعايشان رغم التوتر بينهما، مشيراً إلى أن الدولة القادرة على الجمع بينهما بطريقة خلاقة ستكسب على صعيدي الشرعية والاستقرار.
واعتبر أن تجربة السنوات الماضية أظهرت وهم الاعتقاد بإمكان الإلغاء الكامل والفوري للطائفية، لكنه حذر في المقابل من التقليل من أهمية تطلعات الشباب إلى المشاركة المواطنية التامة، في ظل مشاعر الكبت الناتجة عن عدم اكتمال الاعتراف السياسي بالأفراد كمواطنين متساوين.
واقترح سلام الانتقال إلى العمل بنظام المجلسين المنصوص عليه في المادة 22 من الدستور، بحيث يُحصر التمثيل الطائفي في مجلس الشيوخ، ويُحرر مجلس النواب من القيد الطائفي لتأمين مشاركة وطنية، أو بالأحرى مشاركة مواطنية، لافتاً إلى وجود اقتراحات قوانين في هذا الخصوص لم تحظ بعد بالاهتمام الكافي.
وشدد على ضرورة العودة إلى المادة 95 وتطبيقها بالكامل من دون اجتزاء أو تشويه.
وختم سلام بالتأكيد أن أزمة المواطنة في لبنان تكمن في غياب الاعتراف السياسي الكامل بحقوق الفرد بعيداً عن انتمائه الطائفي، معتبراً أن معالجة هذا الخلل باتت ضرورة ملحة لاستكمال شرعية الدولة العادلة والقوية التي تعمل الحكومة على إعادة بنائها.