يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد حسن جوني، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أنّ ما يجري حالياً هو عرض قوة عسكرية أميركية يتزامن مع مسار تفاوضي قائم، بحيث يشكّل الضغط العسكري أداة مرافقة للمفاوضات. فالرسالة واضحة: إذا لم تُبدِ طهران مرونة تجاه الشروط المطروحة، فإن خيار استخدام القوة يبقى وارداً. هكذا تتكوّن العلاقة التفاعلية بين استعراض القوة والمسار الدبلوماسي.
ويشير إلى أنّ المسار التفاوضي مستمر، إلا أنّ الردع المتبادل وإبراز القدرات العسكرية يهدفان إلى التأثير في حسابات الطرف الآخر. فإيران تسعى إلى تقدير ما إذا كانت واشنطن قد اتخذت فعلياً قرار الحرب، وحجم قدرتها على الصمود في حال اندلاعها، فيما تدرس الولايات المتحدة احتمالات نجاح الضغط العسكري في تحقيق أهدافها، مدركة أن قرار الحرب ليس خطوة بسيطة.
ورغم التفوق العسكري الأميركي الساحق وفق المعايير التقليدية، يلفت جوني إلى أنّ إيران تعتمد نمط حرب غير متماثلة، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة عرضة للتحول إلى حرب استنزاف تتبدل فيها الحسابات. كما أن البعد الأيديولوجي في بنية النظام الإيراني يضيف عاملاً معقداً إلى عملية التفاوض، إذ لا تُقاس مواقفه فقط بمنطق المصالح الجيوسياسية.
وفي ما يتعلق بالتهديدات الإيرانية بإمكانية استهداف حاملات الطائرات، يستبعد جوني قدرة طهران على إغراق حاملة طائرات أميركية، لكنه يؤكد أن الاحتمال، مهما كان ضئيلاً، يبقى جزءاً من الحسابات العسكرية، مستشهداً بمفهوم “مملكة الغموض” لدى المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز، حيث يشكّل عدم اليقين عاملاً حاسماً في إدارة الحروب.
ويعتبر أنّ واشنطن لا تستطيع التراجع بسهولة بعد هذا الانتشار العسكري المكلف، سواء من حيث السمعة الاستراتيجية أو الكلفة المادية. فتحريك حاملات الطائرات وحده يكلّف مليارات الدولارات، ما يجعل إنهاء المشهد من دون مكاسب سياسية أو عسكرية أمراً مستبعداً.
ويضع جوني المشهد أمام احتمالين: إما ضربة نوعية محدودة تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، خصوصاً في ملف تخصيب اليورانيوم والبرنامج النووي، أو انزلاق الأمور إلى مواجهة أوسع. فالضربة، وإن كانت قصيرة ومحددة الأهداف، قد لا تحقق النتائج المرجوة، ما قد يفتح الباب أمام حرب شاملة، خصوصاً إذا قررت طهران توسيع نطاق الرد.
ويلفت إلى أن أي حرب مفتوحة لن تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل قد تنخرط فيها أطراف "المحور" كافة، ومن بينهم حزب الله في لبنان. فبحسب تحليله، قد يُنظر إلى المواجهة باعتبارها معركة وجودية، إذ إن سقوط النظام الإيراني سينعكس مباشرة على مستقبل الحزب باعتبار إيران عمقه الاستراتيجي الأساسي.
وبرأيه إذا لم يدخل الحزب الحرب، فقد ينتهي حكماً مع سقوط النظام الإيراني. ومن هذا المنطلق، قد يكون من المنطقي بالنسبة له أن يستخدم ما تبقى لديه من قوة في معركة قد تكون الأخيرة على مستوى المنطقة، بين هذا المحور والولايات المتحدة والسبب الثاني الذي قد يدفع حزب الله إلى الدخول في الحرب هو حالة الاختناق التي يعيشها اليوم، فهو، بحسب هذا التقدير، يواجه استفزازاً إسرائيلياً يومياً وضغطاً عسكرياً مستمراً من جهة، وأزمة داخلية لبنانية عميقة من جهة أخرى، ويرى في الانخراط في مواجهة كبرى خياراً للهروب من حالة الاستنزاف، انطلاقاً من معادلة “إما الربح الكامل أو الخسارة الكاملة”.
ويخلص العميد جوني أنه لا يمكن العودة إلى الوراء كما كان الوضع قبل هذه الحشود الأميركية، ومن الصعب أن يقبل الأميركي بذلك، حيث لا يليق بالسمعة العسكرية للولايات المتحدة، بعد هذا الانتشار الواسع والمكلف مادياً، أن تعود كل هذه القوات إلى مواقعها السابقة من دون تحقيق إنجازات أو مكتسبات معينة، لافتاً إلى أن تحريك حاملات الطائرات وحده يكلّف مليارات الدولارات، فضلاً عن كلفة الانتشار العسكري الشامل. لذلك، ليس وارداً أن ينتهي هذا المشهد من دون نتيجة سياسية أو عسكرية ملموسة، ويبقى السؤال الأساس برأيه، ما هي المكتسبات التي يمكن تحقيقها؟ وإلى أي حد يمكن أن تتنازل إيران؟