لم تكن زيارة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إلى بيروت هذا العام محطة بروتوكولية عابرة، ولا تكراراً لمشهد سنوي ينتهي بمغادرته بعد أيام. ما جرى في 14 شباط تجاوز إطار إحياء الذكرى، ليؤشر إلى إعادة تفعيل منظمة لتيار “المستقبل” وإعادة تثبيت الحريري لاعباً أساسياً في المعادلة الداخلية.
الحشود التي قُدّر عددها بأكثر من 100 ألف مشارك لم تكن مجرد رقم في سجل المناسبة. الرسالة كانت واضحة: القاعدة الشعبية ما زالت متماسكة، وقرار تعليق العمل السياسي لم يُنهِ الحالة الحريرية. المشاركة الكثيفة، رغم مناخات الضغط السياسي والإعلامي، أعادت تثبيت حقيقة أن الانكفاء لم يكن انسحاباً نهائياً، بل إعادة تموضع بانتظار اللحظة المناسبة.
في الكواليس، بدت الصورة أكثر دلالة. رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس نواف سلام لم يتصلا بالحريري يوم الذكرى، في مؤشر قرأته أوساط سياسية على أنه تموضع محسوب في لحظة حساسة. في المقابل، بادر رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الاتصال في 14 شباط، ثم عزز الرسالة في 19 شباط بعد إفطار دار الفتوى، بإصراره على اصطحاب الحريري بسيارته إلى عين التينة. خطوة حملت أبعاداً سياسية واضحة: الحريري ما زال جزءاً من التوازنات، وأي محاولة لتجاهله لا تعني إخراجه من المعادلة.
في خطابه، لم يمنح الحريري خصومه ولا حلفاءه جواباً مباشراً، لكنه لم يترك مساحة للالتباس. اعتمد معادلة: “قولوا لي موعد الانتخابات لأقول لكم موقف تيار المستقبل”. عبارة تبدو انتظاراً، لكنها في جوهرها إعلان استعداد. ربط الموقف بموعد الانتخابات يعني أن خيار خوض الاستحقاق قائم حكماً، وأن الإعلان الرسمي مؤجل إلى حين تحديد التوقيت. إنها صيغة تحمي العلاقة الخارجية، ولا سيما مع المملكة العربية السعودية، لكنها في الداخل تؤسس لعودة انتخابية واضحة المعالم.
وفي سياق العلاقة مع الرياض، رسم “المستقبل” معادلة متوازنة: احترام كامل للمملكة، لكن من دون القبول بأي استهداف سياسي أو إعلامي. رد أحمد الحريري على “العربية” و“العربية الحدث” لم يكن تفصيلاً إعلامياً، بل تثبيتاً لسقف سياسي جديد. كذلك، فإن صعوده إلى جانب سعد الحريري عند ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري عكس تماسك الحلقة القيادية، وأكد أن المعركة المقبلة تُخاض بفريق متكامل.
إقليمياً، يتحضر الحريري لجولة تشمل مصر وروسيا وسوريا وتركيا، في خطوة تعكس سعياً لإعادة تثبيت موقعه ضمن شبكة العلاقات الإقليمية بالتوازي مع إعادة تنظيم البيت الداخلي. فالعودة إلى الانتخابات تحتاج إلى مظلة سياسية أوسع من الساحة المحلية، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة في المنطقة.
داخلياً، بدأت إشارات الانفتاح تظهر بوضوح. التيار الوطني الحر يحاول إعادة فتح قنوات التواصل، وعدد من النواب في دوائر مختلفة ينظرون إلى عودة “المستقبل” كعامل حاسم في توازناتهم الانتخابية. المعطيات تشير إلى قدرة التيار على حصد أكثر من 10 نواب إذا خاض الاستحقاق، ما يفسر حجم الاهتمام والتموضع حول هذه العودة.
الخلاصة أن الحريري لم يأتِ ليودّع الساحة مجدداً. جاء ليعيد تثبيت موقعه، وقد نجح في ذلك سياسياً وشعبياً. أما العودة إلى الانتخابات، فهي لم تعد احتمالاً نظرياً، بل تبدو أول الغيث في مسار عودة تدريجية ومدروسة إلى قلب الحياة السياسية.