“ليبانون ديبايت” - وليد خوري
في الكواليس السياسية، لا يقتصر النقاش على موعد الانتخابات النيابية، بل يتجاوزه إلى سؤال أعمق يتعلق بشكل النظام نفسه. فمنذ فترة غير قصيرة، فُتح بهدوء باب البحث في احتمال التمديد للمجلس النيابي. وبحسب معلومات ليبانون ديبايت، فإن رئيس مجلس النواب نبيه بري لم يُقفل الباب أمام هذا الاحتمال، لكنه ربط أي موافقة على تأجيل الانتخابات لمدة سنتين بسلة متكاملة تقوم على إدخال تعديلات جوهرية على قانون الانتخاب، تفضي إلى انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي، بالتوازي مع إنشاء مجلس شيوخ.
بهذا المعنى، لا يطرح بري التمديد كإجراء تقني لتفادي أزمة ظرفية، بل كمدخل لإعادة ترتيب البنية الدستورية. ويستند في طرحه إلى المادة 22 من الدستور التي تنص بوضوح على استحداث مجلس شيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية، مقابل انتخاب مجلس نواب خارج القيد الطائفي. كما تحيل هذه المقاربة إلى المادة 95 التي تدعو إلى إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية واضحة.
في المقابل، تدرك معظم القوى والأحزاب السياسية، إضافة إلى الرئاسات الثلاث، أن المسار الانتخابي لا يخلو من إشكاليات قانونية جدية. ومع ذلك، تبدو المكابرة سيدة المشهد. فلا فريق مستعد لتحمّل كلفة الدعوة الصريحة إلى التأجيل، لما يحمله ذلك من تداعيات شعبية وسياسية، فيما يستمر الدفع العلني نحو إجراء الانتخابات في موعدها. الجميع يقرّ بوجود مأزق، لكن أحداً لا يريد أن يتحمّل مسؤولية اتخاذ القرار.
هذا التردد الداخلي يتقاطع مع قلق خارجي واضح. فقد نقل أحد سفراء “اللجنة الخماسية”، وهو سفير غربي، بحسب معلومات ليبانون ديبايت، في لقاء خاص مع نائب كسرواني، أن إجراء الانتخابات قبل معالجة مسألة السلاح يُعدّ “فعل خيانة وطنية”. توصيف يعكس خشية دولية من تكريس واقع سياسي جديد في ظل اختلال ميزان القوى الداخلي.
ويتلاقى هذا المعطى مع ما كشفه الرئيس بري في حديث إلى صحيفة “الشرق الأوسط”، حيث أشار إلى أن عدداً من سفراء “اللجنة الخماسية” يحبّذون تأجيل الانتخابات، مؤكداً أنه أبلغهم رفضه، كما أبلغ بقية السفراء أنه لا يؤيد تأجيل الانتخابات النيابية تقنياً أو التمديد للمجلس. بذلك، تتقاطع معادلة الداخل والخارج عند نقطة حساسة: الخارج يلوّح بخطورة إجراء الانتخابات في ظل السلاح، فيما يرفض بري تأجيلاً تقنياً معزولاً ويتمسّك بربط أي تمديد بمسار إصلاحي دستوري متكامل.
أمام هذا الانسداد، يبرز سيناريو قضائي قد يشكّل مخرجاً للجميع. فقبول مجلس شورى الدولة أحد الطعون المقدّمة ضد مراسيم أو تعاميم صادرة عن وزارة الداخلية، مع وقف تنفيذها، من شأنه أن يفرض تعليقاً تقنياً للمسار الانتخابي، بما يجنّب القوى السياسية إعلان التمديد بشكل مباشر. وفي هذا السياق، عُلم أن رئيس حزب “رفاق النضال” عبده سعادة تقدّم بطعن سُجّل أصولاً في مجلس شورى الدولة بتاريخ 19 شباط. وإذا صدر قرار خلال الأيام العشرة المقبلة، فقد يشكّل ذلك مخرجاً قانونياً يخفف حدة الاشتباك السياسي، من دون تسجيل هزيمة لأي طرف.
أما في حال عدم سلوك هذا المسار القضائي، فستتجه البلاد عملياً نحو إجراء الانتخابات، لا اقتناعاً كاملاً بسلامة الظروف، بل نتيجة غياب جهة مستعدة لتبنّي خيار التأجيل علناً.
في موازاة ذلك، يكتسب طرح إنشاء مجلس شيوخ بعداً إضافياً مع إعلان رئيس الحكومة نواف سلام تأييده المبدئي للانتقال إلى نظام المجلسين، وفق ما تنص عليه المادة 22 من الدستور. فقد شدد سلام على ضرورة حصر التمثيل الطائفي في مجلس الشيوخ، وتحرير مجلس النواب من القيد الطائفي بما يؤمّن “المشاركة المواطنية”، داعياً إلى تطبيق المادة 95 كاملة “دون اجتزاء أو تشويه”. وهنا يلتقي الطرحان عند إحياء نصوص دستورية مؤجلة منذ عقود، وإن اختلفت المقاربات السياسية المحيطة بهما.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة: إما انتخابات في موعدها رغم الاعتراضات، وإما تسوية أوسع تُبنى على شروط بري وتحذيرات الخارج، وتعيد رسم قواعد اللعبة السياسية تحت سقف تعديل دستوري طال انتظاره.