“ليبانون ديبايت”
في ظل التصعيد السياسي والعسكري المتصاعد بين واشنطن وطهران، وما يرافقه من حشود عسكرية وتحركات دبلوماسية متسارعة، يكتسب خطاب الرئيس الأميركي أهمية خاصة لجهة توقيته ومضامينه ورسائله المعلنة والمضمرة. وفي هذا السياق، قدّم الخبير في الشأن الإيراني الدكتور حكم أمهز قراءة تحليلية معمّقة لمواقف الرئيس الأميركي، متناولاً أبعادها الدعائية والسياسية، وانعكاساتها على الداخل الأميركي، إضافة إلى تأثيرها المحتمل على مسار المفاوضات النووية والتوازنات الإقليمية والدولية، في ظل مرحلة مفتوحة على مختلف الاحتمالات.
القراءة الأولية لخطاب ترامب
يرى الدكتور حكم أمهز أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمارس سياسة دعائية بحتة، تشبه – بحسب توصيفه – الأسلوب الذي كان يعتمده جوزيف غوبلز، وزير الدعاية في عهد أدولف هتلر، والقائم على مبدأ: «اكذب، اكذب حتى يصدقك الناس». ويعتبر أن ترامب، في مجمل ما ورد في خطابه، كان يوجّه كلامه إلى الداخل الأميركي في محاولة لتبرير مواقفه تجاه إيران.
ويؤكد أن حديثه عن صواريخ عابرة للقارات غير صحيح، وكذلك ما أشار إليه بشأن مقتل آلاف أو عشرات الآلاف من الإيرانيين خلال الاحتجاجات، معتبراً أن هذه الأرقام مبالغ فيها إلى حدّ كبير. ويوضح أن عدد الضحايا – وفق المعطيات التي يستند إليها – بلغ 3117 شخصاً، من بينهم نحو 2400 من عناصر الأمن ومدنيين، وقد نُشرت أسماؤهم على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية الإيرانية.
كما يعتبر أن ما قيل عن وجود نحو 800 شخص مهددين بالإعدام يدخل في إطار المبالغات والدعاية، ويرى أن الهدف من هذا الخطاب هو «شيطنة» إيران أمام الرأي العام الأميركي، تمهيداً لاتخاذ أي إجراء محتمل ضدها.
الوضع الداخلي الأميركي
ويشير أمهز إلى أن ترامب يواجه أزمة داخلية على مستوى شعبيته، إذ إن آخر استطلاعات الرأي التي اطّلع عليها قبل نحو أسبوع أظهرت أن نسبة التأييد له بلغت 36%، وربما تكون قد تراجعت أكثر. كما أن عدداً من أعضاء الكونغرس الأميركي يؤكدون أنه لا يحق للرئيس توجيه ضربة لإيران، سواء كانت محدودة أم واسعة، من دون موافقة الكونغرس، نظراً للتبعات القانونية والسياسية المحتملة، لا سيما إذا توسعت الحرب.
ويضيف أن الانتخابات النصفية باتت قريبة، وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم الديمقراطيين، الذين قد يسعون – في حال سيطرتهم على مجلسي الشيوخ والنواب – إلى عزل ترامب، باعتبار أنه بات يشكّل خطراً على الولايات المتحدة وأمنها القومي، بعدما أدخلها في صدامات حتى مع حلفائها، مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
الملف النووي والمفاوضات
ويؤكد أمهز أنه إذا كان ترامب يسعى فعلاً إلى اتفاق نووي، فإن إيران – بحسب قوله – تعلن صراحة أنها لا تريد سلاحاً نووياً، وأن هذا الخيار يتعارض مع مبادئها الإنسانية والأخلاقية والدينية. ويرى أنه لو كانت إيران تريد تصنيع سلاح نووي لفعلت ذلك من دون الاكتراث بترامب أو غيره، لكنها لا تسعى إليه من الأساس.
ويشير إلى أن طهران أبدت استعدادها لخفض نسب تخصيب اليورانيوم بما يبدد الهواجس الغربية، كما أعلنت استعدادها لجعل برنامجها النووي شفافاً بالكامل تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. غير أنها تشترط، في المقابل، رفع العقوبات المفروضة عليها قبل إبرام أي اتفاق جديد.
ويضيف أن ثلاث جولات من المفاوضات عُقدت، بعد ما وصفه بخداع سابق تمثل في انسحاب الولايات المتحدة من المسار التفاوضي ووقوع عدوان أميركي–إسرائيلي قبل الجولة السادسة من المفاوضات العام الماضي بيومين. ويؤكد أن إيران مستعدة للمفاوضات ضمن هذه الشروط، لكنها في حال فُرضت عليها الحرب فهي مستعدة لها أيضاً.
الأبعاد الإقليمية
ويرى أمهز أن أي مواجهة عسكرية لن تبقى محصورة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بل ستأخذ أبعاداً إقليمية. إذ إن أي تهديد وجودي لإيران سيشمل حلفاءها في المنطقة، الذين لن يقفوا مكتوفي الأيدي.
ويشير إلى ما يسميه مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي تعمل عليه الولايات المتحدة وإسرائيل، ويقوم – بحسب رأيه – على تكريس تفوّق إسرائيل في المنطقة ونزع عناصر القوة من الدول الأخرى، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو تكنولوجية أو غيرها، بما يحوّل المنطقة إلى ما يشبه منظومة خاضعة للهيمنة الإسرائيلية.
كما يتحدث عن مشاريع لإعادة رسم خريطة المنطقة جغرافياً، وفق تصورات توسعية تشمل أجزاء من دول مجاورة، ويرى في ذلك تهديداً مباشراً لدول المنطقة كافة.
أبعاد دولية خطيرة
على الصعيد الدولي، يحذر أمهز من أن أي سيطرة أميركية مباشرة أو غير مباشرة على إيران ستعني تحولاً كبيراً في موازين النظام العالمي. فالولايات المتحدة – وفق طرحه – تسيطر بالفعل على مصادر نفط عدة، وإذا أضيف النفط الإيراني إلى هذه المعادلة، فإنها ستتحكم بأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، ولا سيما بالنسبة للصين.
ويعتبر أن ذلك سيضع الصين أمام خيارين: إما مواجهة عسكرية كبرى، وهو خيار مستبعد نظراً لكلفته الكارثية، أو البحث عن بدائل طاقة قد لا تكون كافية أو مضمونة، في ظل احتمال تعرض أي دولة تزوّدها بالنفط لعقوبات أميركية.
كما يشير إلى أن الموقع الجغرافي لإيران يشكل نقطة محورية في مشاريع استراتيجية كبرى، مثل مشروع «الحزام والطريق» الصيني، وممر «الشمال–الجنوب» بين إيران وروسيا، وأن أي تغيير في وضع إيران سينعكس مباشرة على هذه المشاريع.
ويرى أمهز أن المواجهة المحتملة لا تقتصر على صراع ثنائي، بل تحمل أبعاداً إقليمية ودولية خطيرة، وأن تداعياتها قد تمسّ بنية النظام العالمي بأسره، في حال انزلقت الأمور إلى مواجهة مفتوحة.
ويرى الدكتور حكم أمهز أنه قبل الجولة الثالثة من المفاوضات، لم يكن الأمر مجرد كلام أو مواقف إعلامية، بل إن الحشود العسكرية التي يجري العمل على إرسالها إلى المنطقة تُستخدم كأداة ضغط. ويشير إلى أن ترامب نفسه، في مقابلة تلفزيونية قبل يومين، قال: «لن أقول إن ترامب مُحبط»، معتبراً أن لهذا التعبير دلالة كبيرة، إذ أضاف أنه متعجب ومندهش من أن الإيراني، رغم كل هذا التشديد والحشد البحري في المنطقة، لم يخف ولم يستسلم.
ويعتبر أمهز أن هذا التصريح يُفهم منه بشكل غير مباشر أن الحشود العسكرية تهدف إلى ممارسة ضغط لإجبار إيران على التنازل أو الاستسلام. إلا أن القرار النهائي بشأن الذهاب إلى مواجهة أو عدمه يبقى بيد الرئيس الأميركي.
ويلفت إلى أن داخل الإدارة الأميركية نفسها توجد أطراف تعارض خيار الحرب، بما في ذلك وزارة الدفاع (البنتاغون). وقد تداولت وسائل إعلام أميركية أن رئيس هيئة الأركان، الجنرال دانيال كين، لا يؤيد خوض حرب ضد إيران، نظراً لكون نتائجها غير مضمونة، بحسب ما نُقل في الإعلام الأميركي.
جميع الاحتمالات مفتوحة
وبحسب أمهز، فإن جميع الاحتمالات تبقى مفتوحة، وأن الخطاب السياسي والحشود العسكرية والتحركات الإعلامية تندرج في إطار الضغط على إيران لانتزاع تنازلات. إلا أنه يؤكد أن طهران أعلنت بوضوح خطوطها الحمراء، لا سيما في ما يتعلق بالتخصيب، وأنها لن تتنازل عنها مهما كانت الضغوط، حتى لو وصلت الأمور إلى حرب شاملة ومدمرة.
ويشدد على أن إيران تعتبر ما تطالب به حقوقاً يكفلها القانون الدولي، وأنها ملتزمة بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. وفي حال لم يلتزم الجانب الأميركي بهذه الخطوط، فإن إيران – بحسب قوله – جاهزة لكل السيناريوهات، بما فيها الحرب.
وحول الخيارات المتاحة لإيران، يؤكد أمهز أن إيران لن تقدم أي تنازل عن الخطوط الحمراء التي أعلنتها، لأن التراجع عنها يعني إضعاف نفسها ونزع عناصر قوتها العسكرية، ما يجعلها مكشوفة أمام الولايات المتحدة، ويعرّضها لمصير شبيه بما جرى في دول أخرى مثل فنزويلا أو العراق أو أفغانستان.
ويضيف أن ما كان يمكن تقديمه في إطار التسوية قد تم تقديمه بالفعل، وأن القرارات الإيرانية بُنيت على أساس واضح يتضمن مختلف الاحتمالات. ويرى أنه لا ينبغي لأحد أن يعتقد أن الإيرانيين ضعفاء، مؤكداً أنهم يمتلكون قدرات كبيرة على مستوى التسليح الصاروخي.
ويشير إلى أنه إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك حاملة طائرات أو أكثر في المنطقة، فإن إيران، بمساحتها التي تبلغ نحو مليون وسبعمائة ألف كيلومتر مربع، تحولت – وفق تعبيره – إلى ما يشبه حاملة طائرات وحاملة صواريخ وطائرات مسيّرة ومنصات أسلحة متقدمة، إضافة إلى ما وصفه بأسلحة مفاجئة قد تُستخدم عند الحاجة.
كما يستشهد بتصريح لقائد الثورة الإيرانية مفاده أن وجود حاملات الطائرات في المنطقة يمثل خطراً، لكن الأخطر هو الأسلحة القادرة على مواجهتها. وهذا كلام المرشد الأعلى، وبالتالي – بحسب أمهز – لا يصدر عنه عبثاً، لذلك يرى أن وزارة الدفاع الأميركية تأخذ مثل هذه التصريحات على محمل الجد.
ويتحدث أمهز عن دعم تسليحي كبير وصل إلى إيران من الصين وروسيا، معتبراً أنه في حال تعرّضت إحدى حاملات الطائرات الأميركية لاستهداف كبير، أو أُسقطت طائرة شبحية من طراز F-35، فإن لذلك تداعيات كبيرة على صورة القوة العسكرية الأميركية وهيبتها.
ويخلص إلى أن الحرب ليست نزهة، وأن الولايات المتحدة تدرك ذلك جيداً، كما أن إيران – بحسب تقديره – أعدّت نفسها لاحتمال مواجهة طويلة الأمد، رغم ما قد تنطوي عليه من خسائر. ويؤكد في ختام حديثه أن جميع الخيارات لا تزال مفتوحة.