لم يكن قرار المجلس الدستوري بردّ قانون استقلالية القضاء مجرّد تصويب شكلي في مسار تشريعي، بل جاء كصفعة سياسية مدوّية لكل من سوّق لهذا القانون على أنّه «إنجاز تاريخي». فالقرار الصادر بالإجماع لم يُسقط نصًا عاديًا، بل أسقط سردية كاملة بُنيت على شعارات الاستقلال، فيما المضمون كان يعجّ بثغرات بنيوية عميقة.
عشرات الجلسات عُقدت، نقاشات مطوّلة جرت، اعتراض رئاسي سُجّل، إعادة نظر حصلت، ثم أُقرّ القانون مجددًا وسط تصفيق سياسي وإعلامي واسع. غير أنّ الطعن الذي تقدّم به التيار الوطني الحر برئاسة النائب جبران باسيل وضع الجميع أمام اختبار الجدية الدستورية، فجاء الحكم حاسمًا: القانون لا يصمد.
المفارقة الصادمة أنّ القوى نفسها التي هلّلت لإقرار القانون التزمت الصمت بعد سقوطه. أين المسؤولية السياسية؟ وأين الجرأة في الاعتراف بالخلل؟ كيف يمكن لرئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن يدير مسار قانون يُفترض أنّه يؤسّس لاستقلال السلطة القضائية، فيما نصوصه تفتح الباب أمام أزمات بنيوية؟ أي منطق تشريعي يقبل بتعيين مدّعٍ عام تمييزي من بين ثلاثة ينتخبهم مجلس القضاء الأعلى لتختار الحكومة واحدًا منهم، في حين يُعيَّن المدعي العام المالي مباشرة من السلطة التنفيذية؟ أليست هذه ازدواجية تضرب مبدأ الاستقلال من جذوره؟
الأخطر من ذلك، الخلل الميثاقي الذي كان سيصيب تركيبة مجلس القضاء الأعلى، بما يخلّ بالتوازنات التي يقوم عليها النظام اللبناني. هل يُعقل أن يُمرَّر نص بهذه الحساسية من دون احتساب نتائجه الطائفية والمؤسساتية؟ أم أنّ الاستعجال السياسي غلّب التدقيق الدستوري؟
ثم كيف يُبرَّر تمثيل وزير العدل في اجتماعات تبحث قانونًا جوهره فكّ الارتباط بين القضاء والسلطة التنفيذية، ومن دون تفويض رسمي واضح من مجلس القضاء الأعلى مجتمعًا؟ أليس في ذلك تناقض صارخ بين الشعار والممارسة؟ وإذا كان السياسي قد يبرّر حساباته، فكيف يُفهَم موقف النائب القاضي السابق جورج عقيص الذي اعتبر القانون إنجازًا للقضاء اللبناني؟ أي إنجاز في نصّ أعاده المجلس الدستوري من أساسه؟ وأي مكسب لقضاءٍ كان سيتعرّض لاختلال ميثاقي يضع مكوّنًا أساسيًا منه في موقع حرج؟
ما جرى ليس خطأً تقنيًا عابرًا، بل نموذج صارخ عن أزمة التشريع في لبنان: قوانين تُطبخ تحت ضغط التسويات، تُسوَّق بشعارات إصلاحية، ثم تسقط عند أول اختبار دستوري جدّي.