وأشار إلى أن "اليوم هذان العنصران لم يعودا موجودين؛ فلا تحضيرات مسبقة لدى الدولة، ولا لدى الحزب المسؤول عن الحرب، ولا لدى بيئته الحاضنة، ولا حتى لدى الجمعيات والمنظمات. كذلك، لا تبدو الدولة بحجم الجهوزية المطلوبة لأزمة بهذا المستوى. أضف إلى ذلك أن النزوح حصل في يوم واحد، ما شكّل فارقًا جوهريًا. فالنزوح المتدرّج يمكن استيعابه مرحليًا من حيث الإيواء وتلبية الحاجات، أما النزوح المفاجئ والكثيف فقد فاق القدرة على الاستجابة، فبقيت عائلات في الطرقات، وبعضها أمضى ليلة أو ليلتين في السيارات بانتظار إيجاد مأوى، فيما لجأ من لديه أقارب في بيروت إلى منازلهم".
وقال: "تجري حاليًا مساعٍ لتأمين مراكز إيواء إضافية، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الأفق الواضح؛ فلا قدرة مالية كافية، ولا رؤية زمنية للحرب، ولا تقدير دقيق لمدة استمرارها. السؤال الجوهري اليوم: ما هو أفق هذه الحرب؟ ومن يملك قرار وقفها؟ في المرحلة السابقة، كان القرار يُتخذ ضمن إطار لبناني داخلي، أما اليوم فقد بات لبنان جزءًا من معادلة إقليمية أوسع. لم يعد القرار بيد الدولة اللبنانية وحدها، ولا حتى بيد حزب الله، بل أصبحت المعركة مرتبطة بتوازنات أكبر تشمل إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وبالتالي فإن وقف الحرب أو استمرارها مرتبط بتفاهمات خارجية تتجاوز الساحة اللبنانية".
واعتبر أنه "من هنا تراجع الزخم الشعبي للمساعدة نتيجة الخوف من اتساع رقعة الحرب. في المقابل، يبدو أن لإسرائيل أهدافًا واضحة من دخولها الحرب، من بينها إنشاء ما تسميه حزامًا أمنيًا. مثل هذا الطرح يثير إشكاليات ديموغرافية ووطنية خطيرة، إذ قد يعني إفراغ عشرات القرى من سكانها لفترة طويلة غير معروفة الأمد، ما يهدد النسيج الاجتماعي اللبناني ويحمّل البلاد تبعات إنسانية واقتصادية جسيمة".
وأضاف: "في المحصلة، استمرار الحرب بهذا المسار قد يرسّخ واقعًا جديدًا على الأرض، فيما يتحمّل من بدأ المعركة مسؤولية تداعياتها، لا سيما على مستوى تهجير السكان. ويبقى التحدي الأكبر اليوم في كيفية حماية المدنيين، وتأمين احتياجاتهم، ومنع تحوّل النزوح المؤقت إلى واقع دائم".
وتابع: "إذا أردنا مقاربة الموضوع بعقل بارد، فإن منطق الحروب تاريخيًا قائم على حسابات الربح والخسارة. لا يوجد طرف يدخل مواجهة وهو مقتنع سلفًا بأنه خاسر. أي قرار حرب يجب أن يكون مبنيًا على تقدير واقعي للقدرات، وللبيئة الحاضنة، وللقدرة على تحمّل النتائج الإنسانية والسياسية. بالنسبة إلى الجيش اللبناني، من الواضح أن قيادته تدرك حدود إمكاناته، وبالتالي فإن خياره بعدم الانخراط في مواجهة مفتوحة هو قرار مرتبط بميزان قوى معروف، وليس موقفًا عاطفيًا. أما بالنسبة إلى حزب الله، فالسؤال المطروح: هل أُخذت بعين الاعتبار قدرة الجنوب على الصمود؟ وقدرة البيئة الحاضنة على التحمّل؟ والجهوزية اللوجستية لاستيعاب موجات نزوح واسعة؟ هذه أسئلة مشروعة تُطرح اليوم داخل المجتمع اللبناني نفسه".
وفي ما يتعلق بالكلام عن وجود تباينات أو آراء مختلفة داخل الحزب، رأى أنه "من الطبيعي في أي تنظيم سياسي أو عسكري كبير أن تكون هناك نقاشات داخلية، لكن من الصعب من الخارج تأكيد فرضيات عن انشقاقات أو قرارات فردية من دون معطيات موثوقة. فالتحليل شيء، والوقائع المثبتة شيء آخر".
وشدّد على أن "النقطة الأعمق هي مسألة الارتباط العقائدي بإيران وفكرة ولاية الفقيه. هذا البعد الأيديولوجي موجود ومعلن، وهو جزء من هوية الحزب الفكرية، لكن في المقابل، لبنان دولة متعددة قائمة على توازنات دقيقة، ولا يمكن لأي مشروع، أياً كان، أن يُفرض على كامل المجتمع من دون تداعيات داخلية كبيرة. وقد أثبتت التجربة اللبنانية أن أي اختلال عميق في التوازن يولّد أزمات طويلة الأمد".
وبالنسبة إلى دور الرئيس نبيه بري في هذه المرحلة، قال: "موقعه حساس جدًا، فهو رئيس مجلس النواب، وجزء من البيئة السياسية الشيعية، وفي الوقت نفسه شريك في إدارة الدولة. أي تحرك منه يحتاج إلى حسابات دقيقة، خصوصًا في ظل ظروف أمنية وإنسانية معقدة. أحيانًا يكون الصمت جزءًا من إدارة الأزمة بانتظار تبلور مسارات واضحة. والنقطة الأهم اليوم، بعيدًا عن الاصطفافات، هي كيفية احتواء الانقسام، وحفظ السلم الأهلي، وحماية الفئات المتضررة من أن تتحول الأزمة الحالية إلى شرخ دائم في البنية الوطنية".
وأكد أن "التاريخ اللبناني بيّن أن المجتمعات تتبدل مع التحولات الإقليمية، لكن أي مسار أحادي لا يستطيع إلغاء التعددية اللبنانية. لذلك، ربما يجب أن ينتقل النقاش تدريجيًا من منطق من ربح ومن خسر إلى سؤال، كيف نمنع الانهيار الأكبر؟ وكيف نعيد القرار إلى المؤسسات الدستورية بدل أن يبقى رهينة حسابات إقليمية؟ فالسياسة في النهاية مسار طويل، والحروب مهما طالت تنتهي، والتحدي هو بأي كلفة، وبأي شكل سيكون لبنان بعدها".