اعتبرت الباحثة الإسرائيلية المتخصصة في الجيوسياسة والأزمات الدولية والإرهاب العالمي، الدكتورة عنات هوخبرغ-مروم، أن إطلاق الصواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل واتساع دائرة الهجمات في الشرق الأوسط يشيران إلى تحول كبير في طبيعة الحرب التي تقودها إيران في المنطقة.
وفي مقال نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، قالت هوخبرغ-مروم إن المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى لم تعد جولة عمليات محدودة، بل تحولت إلى معركة إقليمية واسعة ومتعددة الجبهات، تغيّر بشكل دراماتيكي قواعد اللعبة وموازين القوى وأنماط التصعيد التي تقودها إيران.
وأشارت الكاتبة إلى أن طهران، التي أعلنت علناً نيتها "إشعال المنطقة"، نفذت تهديداتها عبر استهداف أهداف أميركية، بما في ذلك مصالح اقتصادية ومؤسسات مدنية لدول حليفة لواشنطن في الخليج. وبحسب المقال، أطلقت إيران وابلاً كثيفاً من الصواريخ الباليستية باتجاه إسرائيل، إلى جانب هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت للمرة الأولى الإمارات والبحرين والسعودية والكويت وقطر وسلطنة عُمان والعراق والأردن وحتى قبرص.
ورأت أن التصعيد الحالي ليس مجرد خطوة عسكرية استفزازية، بل استراتيجية مدروسة تهدف إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وفرض قواعد جديدة للصراع. وتشير إلى أن الهجمات أصابت بشكل مباشر سيادة دول الخليج، خصوصاً في مراكز التجارة والاقتصاد والسياحة مثل أبو ظبي ودبي والدوحة، وكشفت محدودية منظومات الدفاع الجوي لدى بعضها، ما أدى إلى تحطيم صورة الحصانة التي سعت هذه الدول إلى ترسيخها لسنوات.
وأضافت أن هذا الواقع يضع دول المنطقة أمام معضلة استراتيجية حادة: الاعتماد الأمني والاقتصادي على الولايات المتحدة من جهة، والخشية من مواجهة مباشرة مع إيران من جهة أخرى. وحتى السعودية، التي أعادت علاقاتها مع طهران بوساطة صينية عام 2023، تجد نفسها – وفق المقال – منجرفة إلى مواجهة لم تكن ترغب فيها.
وبحسب المقال، فإن انضمام حزب الله إلى إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ عام 2024 يكمل صورة معركة متعددة الساحات تتحرك فيها إيران وفق مفهوم "لا طريق للعودة"، أي توسيع المواجهة عمداً حتى لو كان الثمن مرتفعاً، بهدف خلق حالة من الفوضى وفرض تغيير جذري في المعادلة الإقليمية.
وترى الكاتبة أن هذا النمط من السلوك يمكن وصفه بما تسميه "استراتيجية انتحارية شيعية"، أي الاستعداد لدفع أثمان استراتيجية عالية من أجل فرض واقع جديد تكون فيه إيران الطرف الذي يحدد قواعد اللعبة بدلاً من الاكتفاء بالرد على التطورات.
وتضيف أن إيران، التي تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية كبيرة، تحاول إرسال رسالة بأنها مستعدة لتحمل تكاليف اقتصادية وأمنية وسياسية كبيرة لإجبار دول المنطقة وإسرائيل والولايات المتحدة على العمل ضمن شروط تفرضها هي.
وترى هوخبرغ-مروم أن دول الخليج، التي تمتلك ثروات طاقة وتستضيف قواعد عسكرية أميركية، تحولت رغماً عنها إلى ساحات ضغط وربما ساحات مواجهة مباشرة، إذ تجد نفسها في خط النار. ووفق المقال، فإن الهجمات على مصالح أميركية ليست سوى ذريعة، بينما الهدف الحقيقي هو الضغط على هذه الدول لدفعها إلى التأثير على واشنطن من أجل وقف المواجهة.
كما تشير إلى أن الرسالة الإيرانية واضحة: أي دولة مرتبطة بالولايات المتحدة، حتى إن لم تشارك في القتال، قد تصبح هدفاً للهجمات. وبذلك تتحول دول الخليج إلى ما وصفته الكاتبة بـ"رهائن استراتيجية"، تضطر إلى اعتماد دبلوماسية "لا خيار" عبر الحفاظ على قنوات اتصال مع طهران حتى في ظل القتال، وتجنب رد عسكري واسع قد يضر باقتصاداتها بشدة.
وتضيف أن إيران تعزز هذا الضغط من خلال ضربات محسوبة لكنها ذات أثر رمزي كبير، مثل إصابة أجزاء من أحد مرافق التكرير والتصدير التابعة لشركة "أرامكو" السعودية، وأضرار لحقت بمواقع سياحية في دبي، إضافة إلى استهداف بنى تحتية مدنية ومطارات وممرات بحرية دولية، وتعطيل كبير لحركة الطيران في مطار أبو ظبي.
وترى الكاتبة أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الأضرار المباشرة، بل في ديناميكية التصعيد التي تخلقها إيران، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أو ضربة إضافية لميناء أو منشأة طاقة أو ممر بحري استراتيجي أن يؤدي إلى تدويل الصراع وجذب تدخل مباشر لقوى كبرى مثل الصين وروسيا، ما قد يحول المواجهة إلى صراع عالمي.
وفي هذا السيناريو، لن تتضرر فقط الاستقرار الداخلي لدول الخليج، بل أيضاً بنية الأمن الإقليمي وأمن الطاقة العالمي. فإمدادات النفط والغاز وحرية الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية باتت أكثر حساسية للتوترات، فيما ترتفع تكاليف التأمين البحري وأسعار النقل والطاقة.
وتخلص الكاتبة إلى أن توسيع الهجمات والضغط على دول ليست طرفاً مباشراً في الحرب يغير فعلياً قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، إذ تسعى طهران إلى تحطيم صورة الخليج كمنطقة مستقرة وآمنة وجاذبة للاستثمار، وفرض واقع جيوسياسي جديد قد يؤدي إلى سلسلة تفاعلات تتجاوز حدود المنطقة وتؤثر في الاقتصاد العالمي.