كلام كبير. دستوري. مبدئي.
لكن المشكلة أن الذاكرة لا تُمحى بهذه السهولة.
فلنذكّر جورج عدوان، ولنذكّر معه “القوات اللبنانية”.
المجلس النيابي المنتخب عام 2009 كان يفترض أن تنتهي ولايته في حزيران 2013. لكن ذلك لم يحصل. المجلس مدّد لنفسه مرتين: الأولى في 31 أيار 2013 لمدة 17 شهرًا، والثانية في 5 تشرين الثاني 2014 لمدة سنتين و7 أشهر. والنتيجة أن مجلس 2009 بقي حتى عام 2018، أي نحو 9 سنوات بدل ولاية دستورية مدتها 4 سنوات.
السؤال البسيط هنا: أين كانت “القوات اللبنانية” يومها؟
لم تكن في صف المعترضين.
لم تكن في صف الرافضين.
بل كانت جزءًا من القوى التي وفّرت الغطاء السياسي للتمديد.
يومها لم يكن التمديد “غير دستوري”.
لم يكن المجلس “فاقد الشرعية”.
ولم نسمع من جورج عدوان كلامًا عن أن المجلس الممدَّد له لا يحق له التشريع.
بل على العكس تمامًا.
في عام 2014، عندما كان التمديد الثاني يُطبخ في مجلس النواب، خرج جورج عدوان نفسه ليقول إن الخيار هو بين “التمديد أو الفراغ”، وأن “القوات اللبنانية” اختارت التمديد للحفاظ على المؤسسات. يومها كان التمديد “خيارًا وطنيًا”. أما اليوم فأصبح فجأة اعتداءً على الدستور.
هنا تبدأ الازدواجية.
عدوان يقول اليوم إن المجلس الممدَّد له لا يملك شرعية الخوض في تشريعات كبرى مثل قانون الانتخاب. كلام يبدو نظريًا جذابًا. لكن المشكلة أنه يصطدم مباشرة بواقعة يعرفها الجميع.
المجلس النيابي نفسه الذي مُدّد له بين 2013 و2017 هو الذي أقر في عام 2017 قانون الانتخاب النسبي. هذا القانون لم يكن تفصيلًا تقنيًا. كان أحد أهم التشريعات السياسية في لبنان منذ اتفاق الطائف.
فهل كان المجلس يومها شرعيًا عندما أقر قانون الانتخاب؟
أم أن شرعيته تسقط فقط عندما لا يناسب الأمر “القوات اللبنانية”؟
بمعنى أوضح: المجلس الذي شاركت “القوات اللبنانية” في تمديد ولايته كان صالحًا لإقرار أهم قانون انتخابي في البلاد. أما اليوم، فالمجلس الممدَّد له أصبح فجأة غير صالح حتى لمناقشة قانون انتخاب.
أي منطق دستوري هذا؟
إذا كان التمديد يسقط شرعية المجلس، فهذا يعني أن كل ما صدر عن مجلس 2009 بعد 2013 يصبح موضع شك، وعلى رأسه قانون الانتخاب نفسه. أما إذا كان المجلس قادرًا على التشريع رغم التمديد، كما حصل فعليًا، فإن كلام عدوان اليوم يسقط تلقائيًا.
المفارقة الأكبر أن التمديدين السابقين لم يكونا نتيجة حرب قاهرة أو ظرف استثنائي كالذي يعيشه لبنان اليوم. بل حصيلة خلافات سياسية وعجز القوى نفسها عن الاتفاق على قانون انتخاب. يومها مُدّد للمجلس لأن الطبقة السياسية لم تتفق.
ومع ذلك وافقت “القوات اللبنانية”.
أما اليوم، في ظل حرب تضغط على لبنان من كل الجهات، وفي ظل ظرف إقليمي أكثر خطورة وتعقيدًا، يُعاد فجأة اكتشاف “نقاء الدستور”. يصبح النص الدستوري مقدسًا عندما يناسب الموقع السياسي، ومرنًا عندما يتطلب الأمر شراء الوقت.
هنا المشكلة الحقيقية.
المشكلة ليست في الدستور.
المشكلة في الازدواجية.
من حق جورج عدوان أن يعارض التمديد الحالي سياسيًا. ومن حقه أن يهاجمه كما يشاء. لكن ليس من حقه أن يتحدث وكأنه خارج تاريخ التمديد في لبنان، أو وكأن “القوات اللبنانية” لم تكن جزءًا من هذا القرار.
فالوقائع واضحة.
القوات وافقت على التمديد عندما كان يناسبها.
وتهاجمه اليوم عندما لا يناسبها.
وعندما يبدأ السياسي بافتراض أن اللبنانيين لا يتذكرون ما حصل قبل سنوات قليلة، تصبح المشكلة أبعد من خلاف دستوري.
تصبح المشكلة في شيء واحد:
الاستخفاف بذاكرة اللبنانيين.