يحذر تحليل سياسي من أن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران قد تتحول إلى ما يُعرف بـ"الحرب المتوسطة"، وهو نوع من الصراعات كثيراً ما أدخل الإدارات الأميركية في أزمات طويلة ومكلفة.
وبحسب مقال للكاتب روبرت د. كابلان نشرته مجلة "فورين أفيرز"، فإن الديمقراطيات غالباً ما تكون أكثر كفاءة في خوض الحروب الصغيرة التي ينفذها العسكريون المحترفون من دون تعبئة المجتمع، أو الحروب الكبرى التي تحشد الدولة بالكامل، لكنها تواجه صعوبة في إدارة الحروب التي تقع بين هذين النموذجين.
ويستند كابلان إلى ملاحظة للمؤرخ العسكري جيمس ستوكسبرى عام 1988، قال فيها إن الحروب "المتوسطة" تكون كبيرة بما يكفي لإحداث دمار وسفك دماء، لكنها لا تصل إلى مستوى تعبئة المجتمع كما حدث في الحربين العالميتين. كما أنها تختلف عن مفهوم "الحرب المحدودة" الذي تحدث عنه المفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز، حيث يكون الهدف فيها إضعاف الخصم لا تدميره.
ويشير المقال إلى أن هذا النوع من الحروب غالباً ما يبدأ كعمليات عسكرية محدودة، لكنه يتوسع تدريجياً ويتحول إلى صراع طويل وغير محسوم. ويضع الكاتب حروب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق ضمن هذا الإطار، رغم كلفتها البشرية الكبيرة، موضحاً أنها لا تقارن بالحروب العالمية الكبرى، كما أنها ليست عمليات قصيرة مثل التدخل الأميركي في غرينادا عام 1983 أو بنما عام 1989.
كما يلفت كابلان إلى أن تدخلات واشنطن في البوسنة عام 1995 وكوسوفو عام 1999 بقيت محدودة نسبياً واعتمدت أساساً على القوة الجوية مع خسائر أميركية قليلة.
ويرى الكاتب أن الحروب المتوسطة غالباً ما تقوض ثقة الجمهور الأميركي في قدرة حكومته على إدارة السياسة الخارجية، إذ يعلن السياسيون والجمهور بعد كل تجربة من هذا النوع أنهم لن يكرروا الخطأ، كما حدث بعد حرب فيتنام ثم بعد حرب العراق.
لكن كابلان يحذر من أن الولايات المتحدة قد تكون على أعتاب حرب مماثلة مجدداً إذا تحولت المواجهة مع إيران إلى صراع طويل في حال لم يستسلم النظام الإيراني كما تطالب واشنطن. ويرى أن استمرار القصف الأميركي والإسرائيلي قد يفتح الباب أمام فوضى داخل إيران ويزعزع استقرار منطقة الخليج.
ويضيف الكاتب أن موقع الولايات المتحدة كقوة عظمى يدفعها كثيراً إلى الانخراط في صراعات في مناطق قد تكون مفيدة لمصالحها لكنها ليست دائماً حيوية لأمنها القومي، ما يفسر تكرار انخراطها في حروب من هذا النوع.
وفي سياق أوسع، يحذر المقال من مخاطر سوء التقدير في قرارات الحرب، مشيراً إلى أن التمييز بين "حروب الضرورة" و"حروب الاختيار" غالباً ما يتضح فقط بعد اندلاع الصراع. ويستشهد كابلان بقول كلاوزفيتز إن الحرب مجال مليء بالضباب وعدم اليقين، إذ تُتخذ القرارات غالباً في ظل معلومات ناقصة.
ويشير الكاتب إلى أن التوترات مع الصين حول تايوان أو احتمال مواجهة مع كوريا الشمالية قد تحمل بدورها خطر التحول إلى حروب متوسطة، خصوصاً إذا أدت إلى فوضى داخلية أو صراعات إقليمية أوسع.
كما يحذر من أن التصعيد التدريجي قد يدفع واشنطن إلى توسيع تدخلها في إيران إذا اندلعت اضطرابات داخلية هناك، ما قد يكرر مساراً مشابهاً لما حدث في حرب فيتنام التي بدأت تدريجياً قبل أن تتحول إلى صراع واسع.
وفي ختام مقاله، يستعيد كابلان ما يُعرف بـ"عقيدة باول"، التي تدعو إلى عدم خوض أي حرب من دون أهداف واضحة وقوة حاسمة واستراتيجية خروج ودعم سياسي واسع. ويرى أن هذه المبادئ صُممت أساساً لتجنب الوقوع في الحروب المتوسطة التي قد تستنزف الدول الكبرى على المدى الطويل.