"ليبانون ديبايت"
في ظلّ التصعيد العسكري المتسارع واتساع رقعة الاستهدافات، تبرز دلالات جديدة للضربات التي تطال العمق اللبناني، ولا سيما بيروت، بما يتجاوز البعد الميداني إلى رسائل سياسية وأمنية مركّبة. وفي خضم هذا المشهد، تتقاطع التحليلات حول أهداف هذا التصعيد، بين إعادة رسم قواعد الاشتباك، والضغط على البيئة الحاضنة، ومحاولة فرض وقائع تفاوضية جديدة تحت النار.
يرى العميد المتقاعد نضال زهوي، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أنّ توسعة القصف باتجاه بيروت تحمل رسائل في ثلاثة اتجاهات أساسية.
ويوضح أنّ “الاتجاه الأول يتمثّل في الرد على استهداف منطقة غوش دان من قبل المقاومة، والتي تُعدّ، بحسب القراءة الإسرائيلية، خرقًا لقواعد الردع التي كانت قائمة قبل انهيارها عام 2024، والتي قامت على معادلة بيروت مقابل تل أبيب، والضاحية مقابل حيفا”.
ويعتبر أنّ “هذا التصعيد يعكس اعترافًا إسرائيليًا ضمنيًا بعودة معادلة الردع التي فُقدت سابقًا، ومحاولة لإعادة ترميم قواعد الاشتباك التي عملت المقاومة على كسرها لصالحها”.
ويشير زهوي إلى أنّ “الاتجاه الثاني يتمثّل في استكمال الضغط على البيئة التي تم تهجيرها من الضاحية الجنوبية، بهدف جعلها غير قادرة على الصمود”، لافتًا إلى “وجود شواهد عدّة على حالات طرد نازحين من أماكن سكنهم بعد استئجارهم شققًا، في سياق يُدرج ضمن الحرب النفسية ومعركة كسر الإرادة”.
أما الاتجاه الثالث، بحسب زهوي، فهو “ملاقاة الدولة اللبنانية عبر الضغط غير المباشر على هذه البيئة لدفعها نحو القبول بما يشبه الاستسلام الطوعي، كخيار للبقاء، وبالتالي الذهاب إلى المفاوضات من موقع ضعف ومن دون ضمان نتائج واضحة”.
وفي سياق متصل، يعتبر زهوي أنّ “حدة العمليات العسكرية تعود بشكل أساسي إلى الفشل الميداني البري، وعدم قدرة العدو على تحقيق إنجازات على الأرض، مقابل نجاح المقاومة في الحدّ من فعالية التفوق التكنولوجي”، مشيرًا إلى أنّ “هذا الواقع يعكس عجزًا ميدانيًا يُحاول تعويضه عبر تكثيف القصف واستخدام القوة التدميرية، في ظل خطاب إعلامي يبرّر هذه العمليات”.
وعلى صعيد التطورات الإقليمية، يلفت العميد زهوي إلى أنّ “الاتفاق الأمني الإسرائيلي – السوري الذي جرى برعاية أميركية في باريس أعطى انطباعًا بأنّ الهدف غير المباشر منه هو حزب الله”، موضحًا أنّ “ذلك بدا واضحًا من خلال التصريحات والممارسات، ولا سيما ما يتصل بانتشار القوات السورية على الحدود”.
إلا أنّه يشير في المقابل إلى أنّ “تعقيدات المشهد الداخلي السوري وتعدّد الجهات المؤثرة فيه، حدّت من القدرة على فرض مسار واحد بشكل كامل، حيث برز تأثير كل من تركيا وربما السعودية، ما دفع دمشق إلى عدم الانخراط المباشر في هذه المواجهة”.
ويؤكد العميد زهوي في الالختام على أنّ “هذا المسار أدّى إلى تراجع مستوى التهديد المرتبط بهذا الاتفاق، من دون أن يعني ذلك خروجه نهائيًا من الحسابات، بل بقاؤه كعامل قائم ضمن معادلة الصراع”.