في وقت تحدّث فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن "محادثات جيدة" مع طهران وقرّر تجميد الضربات ضد منشآت الطاقة، تكشف التقديرات الإسرائيلية عن صورة أكثر تعقيدًا، حيث تبدو المفاوضات قائمة لكن دون مؤشرات حقيقية على اختراق فعلي.
وبحسب تقرير للصحافية سبير ليبكين في موقع N12، فإن إعلان ترامب عن محادثات "بنّاءة" وتجميد الهجمات لمدة 5 أيام يعكس تحولًا في الموقف الأميركي، إلا أن خبراء يرون أن طهران تتحرك ضمن هامش ضيق تحكمه حسابات "الإنجاز" والرغبة في الرد، ما يقيّد قدرتها على تقديم تنازلات.
وفي هذا السياق، قال الدكتور راز تسيمت، مدير برنامج إيران في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، إن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بات "شخصية محورية" في إدارة الاتصالات، في ظل غموض حول أدوار شخصيات أخرى داخل النظام، وعدم وضوح مدى سيطرة مجتبى خامنئي على مجريات الأمور.
وأوضح تسيمت أن قاليباف، رغم صورته الحالية المتشددة، كان يُعتبر في مراحل سابقة شخصية براغماتية نسبيًا، خصوصًا خلال توليه رئاسة بلدية طهران، لكنه أشار إلى أن هامش المناورة لدى أي مسؤول إيراني يبقى محدودًا بسبب طبيعة النظام والضغوط الداخلية.
وأضاف: "المشكلة الأساسية أن مساحة المرونة لدى أي قائد إيراني، سواء كان محافظًا أو معتدلًا، ضيقة جدًا بسبب عقلية تحقيق الإنجاز والرغبة في الانتقام"، مشيرًا إلى أن الخطاب الإيراني الحالي، الذي يتضمن مطالب تتجاوز مجرد "البقاء"، يدل على أن طهران لا تتصرف كطرف ضعيف أو على وشك التراجع.
وفي ما يتعلق بمضيق هرمز، لفت تسيمت إلى أن إيران نجحت في استخدامه كورقة ضغط، معتبرًا أن تراجع ترامب عن التهديدات يعني أنه "نزل عن الشجرة"، لكن يبقى السؤال حول مدى استعداد طهران لتقديم تنازلات حقيقية.
ويطرح التقرير سلسلة تساؤلات مفتوحة حول المفاوضات، أبرزها: طبيعة التفاهمات الفعلية، مدى استعداد إيران لوقف تخصيب اليورانيوم أو الاكتفاء بتجميده، مصير مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% (440 كغ)، إضافة إلى ما إذا كان الحديث يدور عن تجميد حقيقي لبرنامج الصواريخ أم مجرد تأجيل مؤقت.
من جهته، رأى الباحث داني سيترينوفيتش أن "ترامب هو من تراجع أولًا"، معتبرًا أن الإنذار الذي أطلقه لم يُقابل باستجابة إيرانية، ما دفعه للبحث عن مسار بديل، وسط ضغوط من دول الخليج، وتحركات خلف الكواليس من سلطنة عمان وقطر.
وأشار إلى أن إيران لم تغيّر موقفها، بدليل استمرار إغلاق مضيق هرمز، مؤكدًا أن "الإيرانيين لن يوافقوا على شروط ترامب"، وأن ما يجري قد يكون مجرد تبادل رسائل أكثر منه مفاوضات فعلية.
وختم بالقول إن النظام الإيراني لا يسعى فعليًا إلى اتفاق، بل إلى فرض واقع جديد يشمل رفع العقوبات، الحصول على تعويضات، وضمان عدم استهدافه مستقبلًا، معتبرًا أن طهران تتحرك من موقع "إحساس بالنصر" وليس من موقع ضعف.
في المحصلة، تبدو المفاوضات، رغم الضجيج السياسي، محكومة بتوازنات دقيقة بين ضغوط أميركية وتصلّب إيراني، ما يجعل أي اختراق حقيقي بعيدًا حتى الآن، ويُبقي المنطقة أمام مشهد ضبابي بين التهدئة الشكلية واحتمال عودة التصعيد.