"ليبانون ديبايت"
في ظلّ التصعيد العسكري المتواصل بين إيران من جهة، وكلّ من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية، تتكثّف المساعي السياسية والدبلوماسية لاحتواء المواجهة ومنع انزلاقها نحو حرب إقليمية أو أوسع. وبينما تستمر العمليات العسكرية وتبادل الضربات، يبرز مسار الوساطات الدولية كأحد الخيارات المطروحة، وسط شكوك عميقة حول جدية بعض المبادرات وإمكانية تحوّلها إلى مجرد أدوات ضغط أو "خدع" سياسية.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والخبير بالشؤون الإيرانية توفيق شومان، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أنه "ربما تكون هذه الخديعة الثالثة للولايات المتحدة بعد الخديعة الأولى في حزيران 2025، والخديعة الثانية في شباط من السنة الحالية، وهو أمر غير مستبعد، ولكن في الوقت نفسه لا بد من أخذ بعض الأمور بعين الاعتبار".
ويشير في هذا الإطار إلى "المبادرة التي أطلقها دونالد ترامب يوم أمس جاءت نتيجة مساعٍ مصرية وتركية، إضافة إلى ما يمكن تسميته بالمحاولة الباكستانية، حيث نقلت باكستان مسائل محددة إلى المسؤولين الإيرانيين، وطرحت في إطار وساطتها غير المباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين احتمال استضافة إسلام آباد للمفاوضات المقبلة، وهذا الجهد الذي بذلته باكستان يُسجَّل لها بلا شك، إلا أننا في الوقت نفسه مدعومون من القاهرة وأنقرة".
كما يشير إلى أن الحديث الذي تضمن الإشارة إلى 15 بنداً قد يشكّل القائمة التي يمكن أن يُبنى عليها أفق المفاوضات المقبلة، أو يشكّل الأساس الذي يمكن من خلاله الانتقال إلى مفاوضات جدية أو استمرار الحرب.
ويتابع: "بهذا المعنى، نحن أمام أيام فاصلة وحاسمة، وهي الأيام الخمسة التي تحدث عنها دونالد ترامب، لكن بحسب المعطيات، فإن الدور الباكستاني في هذا المجال يُعدّ دوراً رائداً لعدة أسباب، أولها العلاقات المميزة بين إيران وباكستان، وثانيها العلاقات المميزة بين باكستان والمملكة العربية السعودية، ومن هنا أعتقد أن الرياض قد لا تكون بعيدة عن هذا المسار، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات غير مباشرة مع طهران من خلال باكستان، كما يمكن الحديث عن خيوط خليجية إضافية في هذا الإطار".
ويؤكد أن "الوساطة الباكستانية تبدو حتى الآن الأكثر تقدماً مقارنة بباقي الوساطات الإقليمية، إلا أن التعاطي معها يجب أن يكون بحذر، نظراً لمجموعة الكمائن التي نصبها ترامب على نحو عام، منذ حزيران الماضي حتى اليوم".
ويضيف: "مع ذلك، فإن الحديث عن 15 بنداً يعني وجود إطار غير مباشر للمفاوضات، حتى لو استمرت الحرب، ويمكن لهذا الإطار أن يشكّل أرضية لمفاوضات مستقبلية".
ورداً على احتمال استمرار الحرب وما إذا كنا أمام سيناريو حرب عالمية، يقول شومان: "أعتقد أن التصريحات التي صدرت عن الأمين العام لحلف الناتو تندرج في سياق احتمال دخول بعض أطراف الحلف في الحرب تحت عنوان حماية الملاحة في مضيق هرمز، وليس بالضرورة كل أعضاء الحلف، فهناك نحو 22 أو 23 دولة، بعضها حليف ثنائي للولايات المتحدة وبعضها عضو في الناتو".
ويتابع: "ما لفتني في كلام الأمين العام هو الإشارة إلى احتمال مشاركة دولة أوروبية في ضرب إيران، وهذا أمر يجب التوقف عنده، لكن في المقابل، هناك شبه إجماع بين الولايات المتحدة والناتو على تأمين مضيق هرمز، مع احتمال عدم المشاركة في أي عدوان مباشر على إيران".
وعن فرضية دخول الصين أو كوريا الشمالية على خط المواجهة إلى جانب إيران، يقول: "لا أظن ذلك، إيران قد تبقى وحدها في مواجهة الجميع، لأن المصالح الصينية-الأمريكية تتجاوز المصالح الصينية-الإيرانية، كما أن علاقات الصين مع دول الخليج ممتازة، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري نحو 256 مليار دولار سنوياً، وهو رقم ضخم".
ويضيف: "يمكن للصين أن تلعب دور الوسيط، لكنها لن تدخل الحرب، الأمر نفسه ينطبق على روسيا، التي يكفيها ما تخوضه في شرق أوكرانيا، ولا مصلحة لها في فتح جبهة جديدة، أما كوريا الشمالية، فإن أي قرار من هذا النوع يحتاج إلى غطاء صيني، وهو أمر غير متوافر".
ويتابع: "نحن أمام مشهد واضح: إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل ومعهما حلف الناتو بشكل أو بآخر. لكن في المقابل، تبيّن أن الصمود الإيراني شكّل مفاجأة للطرفين، بعدما كانت الرهانات قائمة على سقوط سريع للنظام أو على تحريك الشارع الإيراني، وهو ما لم يتحقق".
ويختم بالقول: "عندما يتحدث ترامب اليوم عن قنوات تفاوض غير مباشرة، فهذا يعكس تطوراً في الموقف الأمريكي، رغم الحذر منه واعتباره احتمال خدعة، لكن الواضح أن هناك نقاشاً داخل الولايات المتحدة وإسرائيل حول عدم وجود مؤشرات على سقوط النظام الإيراني، وبالتالي يُطرح السؤال: هل تستمر الحرب؟ وإلى متى؟ وماذا لو غرقت الولايات المتحدة في المستنقع الإيراني كما حدث في أفغانستان والعراق وقبلها في فيتنام؟ هذه الأسئلة تُناقش اليوم بشكل علني، ما يعني أن خيار التفاوض يبقى المسار المطروح، وإن كان لا يضمن نتائج سريعة، خصوصاً أن ترامب سيحاول استخدام كل أدوات الضغط لرسم صورة نصر، حتى لو كان ذلك سياسياً أو إعلامياً، في ظل قناعة متزايدة بأن رهان إسقاط النظام الإيراني قد سقط".