“ليبانون ديبايت”
في التراث الشعبي، يُروى أن جحا أقام وليمة ودعا الناس إليها، لكن المدعوين لم يكونوا سوى هو وأهل بيته. ومنذ ذلك الحين، صار هذا المثل يُستخدم لوصف أي لقاء يُرفع له عنوان واسع، فيما يقتصر فعليًا على دائرة ضيقة لا تمثّل إلا أصحاب الدعوة.
هذا المشهد يكاد ينطبق بحذافيره على ما سُمّي بـ”اللقاء الوطني” في معراب. عنوان بحجم “إنقاذ لبنان”، لكن التمثيل الفعلي لم يرقَ إلى الحد الأدنى من الشمولية المطلوبة لأي توصيف “وطني”.
فإلى جانب الغياب الكامل للقوى الشيعية، وغياب تام للمكوّن الدرزي بمختلف أطيافه، من الحزب التقدمي الاشتراكي إلى الحزب الديمقراطي اللبناني، برز أيضًا غياب لافت للمكوّن السني الوازن، مع عدم حضور قوى “كتلة الاعتدال” ومعظم الشخصيات السنية المستقلة. كما سُجّل عنصر أساسي في المشهد تمثّل بعدم توجيه دعوة إلى “التيار الوطني الحر”، ما يعكس طبيعة الإطار السياسي الذي أراده منظّمو اللقاء. كذلك اقتصر حضور حزب الكتائب على تمثيل رمزي، في مقابل غياب نواب التغيير والمسيحيين المستقلين، باستثناء حضور النواب نعمة فرام وميشال معوض وكميل شمعون.
في المقابل، تمحور الحضور بشكل أساسي حول “القوات اللبنانية”، إلى جانب النائبين أشرف ريفي وفؤاد مخزومي، ما جعل اللقاء أقرب إلى تجمّع سياسي محدد، بدل أن يكون مساحة جامعة تعكس التوازنات اللبنانية.
هذا الواقع لا يطرح فقط مسألة التمثيل، بل يتجاوزها إلى طبيعة الهدف نفسه. فالدعوة التي أطلقها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع تحت عنوان “إنقاذ لبنان”، جاءت في لحظة يفترض فيها تعزيز موقع الدولة ومؤسساتها، لا إنشاء منصات سياسية موازية لها، خصوصًا أن ملفات من هذا النوع تبقى من صلب صلاحيات رئاسة الجمهورية والحكومة.
وبين عنوان واسع وطموح مرتفع، وواقع تمثيلي محدود، بدا أن اللقاء لم ينجح في الخروج من الإطار الحزبي الضيق، ولم يتمكّن من فرض نفسه كمنصة وطنية جامعة. وعليه، تحوّل “اللقاء الوطني” في معراب إلى نموذج واضح للفارق بين العنوان والمضمون، حيث “الوطني” بقي في التسمية، فيما الواقع أقرب إلى “جحا وأهل بيتو”.