"ليبانون ديبايت" - باسمة عطوي
عاد توقيع مصرف لبنان عقدا مع شركة K2 Integrity الأميركية إلى الأضواء، بعدما أجابت هيئة الشراء العام على سؤال نيابي بأن توقيع العقد غير قانوني. لذلك من المفيد نقاش الإشكال الواقع بين الطرفين، خصوصا أنه لا ضير في أن يلجأ المركزي إلى شركة محليّة أو إقليميّة أو دوليّة، أيّاً تكن جنسيتها، متى ساعدته على تحقيق أهدافه المباشرة أو غير المباشرة، في إعادة الإنتظام المالي وإستنهاض قطاع مصرفي لبناني سليم، لأن الإمتثال لمعايير مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، أصبح شرطاً وجودياً لإستقرار أي نظام مالي. مع الإشارة إلى أن المركزي أرجع سبب الإتفاق مع K2 إلى "مساعدة لبنان على الخروج من اللائحة الرمادية" الصادرة عن مجموعة العمل المالي FATF في 2024، ومساندته في تقديم "الدعم الفني" في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب".
للتذكير فإن شركة K2 Integrity، هي شركة إستشارية عالمية متخصصة في إدارة المخاطر، مكافحة الجرائم المالية، التحقيقات، والامتثال التنظيمي. تأسست في عام 2009 على يد جيريمي ك. كرول وجولز ب. كرول، ويقع مقرها الرئيسي في نيويورك، مع مكاتب في مدن عالمية مثل لندن، جنيف، الرياض، وواشنطن العاصمة. وتتنوع مجالات عملها بين إدارة مخاطر الجرائم المالية، إذ تُقدم الشركة خدمات شاملة لمكافحة غسل الأموال، تمويل الإرهاب، والفساد، وتساعد المؤسسات المالية على تطوير برامج إمتثال فعّالة ومتكاملة. كما تجري تحقيقات معقدة تشمل تتبع الأصول، الاحتيال، النزاعات القانونية، وقضايا الملكية الفكرية، وتوفر أدلة قابلة للإستخدام في المحاكم، بالإضافة إلى الإستشارات الإستراتيجية لشركات رسمية وخاصة.
أسباب الإعتراض على العقد
يُسجل المعترضون على توقيع المركزي على العقد عدة ملاحظات، أولها خرق المركزي نفسه لمبدأ الإمتثال حين لجأ إلى سياسة إعلان الإتفاق عبر الصحف، بدلاً من نشر النص الكامل للإتفاقية ومصادر تمويلها على موقعه الرسمي. كما تجاهل المصرف الإجابة عن سؤال من يدفع؟". أهي من أموال المودعين المجمدة خلف أسوار حسابات "Onshore" المُقيدة، أم من خزينة دولة تُموَّل بالعجز، أم من منحة خارجية مشروطة تسللت عبر التسويات السياسية المرتبطة بوقف إطلاق نار ترعاه واشنطن؟.
ويعتبر المعترضون أيضا أن المركزي يلتف على البنية الرقابية القائمة في لبنان، من هيئة التحقيق الخاصة المنشأة بموجب قانون 318/2001، إلى لجنة الرقابة على المصارف والمديريات الرقابية الداخلية، وكلّها أجهزة تستنزف موارد ضخمة من الخزينة، لكنها تُهمَّش فعلياً عند أول منعطف جدي. ويسألون إذا كانت هذه المؤسسات عاجزة إلى حدّ الحاجة لشركة أجنبية تتولى دورها، فلماذا يُحافَظ على موازناتها ورواتبها وألقابها؟ ويذكّرون بأن لجنة الخبراء التي شكّلها وزير العدل في شباط 2025 ،لتأمين متطلبات الخروج من اللائحة الرمادية، هي الأخرى إختفت من المشهد من دون أي بيان يشرح تقدّمها أو ينسّق عملها مع الشركة الأميركية.
مآخذ هيئة الشراء العام
تشرح مصادر قانونية ل"ليبانون ديبايت" أن"هيئة الشراء العام تعتبر أن العقد المبرم بين مصرف لبنان وشركة K2 Integrity غير قانوني لعدة أسباب، تتعلق بمخالفة القوانين المحلية ومبادئ الشفافية والحوكمة.أولها مخالفة قانون الشراء العام، إذ وفقًا للمادة الثالثة منه، تخضع عمليات الشراء التي يجريها مصرف لبنان (بإستثناء طباعة وإصدار النقد وتحويلاته) لأحكام هذا القانون. إلا أن مصرف لبنان لم يلتزم بهذه الأحكام عند تعاقده مع شركة K2 Integrity، مما يُعد انتهاكًا صريحًا للقانون.
تضيف المصادر:"هناك غياب الشفافية في التعاقد، إذ لم يتم الكشف عن شروط العقد أو معايير اختيار شركة K2 Integrity، مما يتعارض مع مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة التي يجب أن تُتبع في أي عملية تعاقدية، خاصة في المؤسسات العامة. بالإضافة تعارض مدة العقد مع الأهداف المعلنة، لأن مدة العقد المبرم مع الشركة هي ثلاث سنوات، في حين أن المهلة الممنوحة للبنان للخروج من "اللائحة الرمادية" لمجموعة العمل المالي (FATF) تنتهي في عام 2026. وهذا التفاوت الزمني يُشير إلى احتمال هدر الموارد دون تحقيق الأهداف المرجوة في الوقت المحدد".
غبريل : التعاقد بين k2 integrety والمركزي لإزالة لبنان عن اللائحة الرمادية
يشدد الخبير الاقتصادي ورئيس مركز الابحاث في بيبلوس بنك نسيب غبريل ل"ليبانون ديبايت" أن "التعاقد بين k2 integrety والمصرف المركزي يأتي من ضمن أولوية الأخير والسلطات المالية اللبنانية، لإزالة لبنان عن اللائحة الرمادية لمكافة تبييض الأموال وإقتصاد الظل، لأن المركزي معني بالشق المالي من إقتصاد الظل أي الصرافين غير المرخصين، والجمعيات غير الحكومية عالية المخاطر، وتجاوز بعض شركات تحويل الأموال الرخصة المعطاة لها، والتأكد من أن القطاع المالي المصرفي ملتزم بكل المعايير لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وأحد مسؤوليات مصرف لبنان أيضا هو الحفاظ على علاقات القطاع المصرفي، مع المصارف المراسلة في الخارج ويأتي التعاقد مع الشركة k2 integrety، للمساعدة في إجراءات تقنية لم يصدر بيان لتوضيحها إلى الآن".
يضيف:"لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي لمكافحة تبييض الاموال وتمويل الإرهاب، منذ تشرين الأول 2024 والإتحاد الأوروبي في 10 حزيران2025، وقد وضع لبنان على لائحة البلدان العالية المخاطر بسبب ثغرات في نظام مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وتم الإعتماد على تقييم مجموعة العمل المالي(فاتف)"، لافتا إلى أنه "حين صُنف لبنان على اللائحة الرمادية، جاء ذلك إستنادا إلى تقرير من 360 صفحة قدمته(فاتف) للسلطات اللبنانية في أيار 2023، يُلخص تقييم نظام مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في لبنان، وأُعطيت السلطات اللبنانية أكثر من عام لمعالجة الثغرات قبل وضعها على اللائحة الرمادية ولكن ذلك لم يحصل".
ويوضح أنه "حين وُضع لبنان على اللائحة الرمادية، تم الإتفاق مع السلطات لتطبيق 10 إجراءات لإزالة إسمه عن هذه اللائحة، وأحد أهم الثغرات الموجودة هو عدم مكافحة إقتصاد الظل، وحجمه بحسب شركة التدقيق والإستشارات العالمية Ernest and yong، ما يوازي 20 بالمئة من الناتج المحلي أي 4 مليار و600 مليون دولار"، لافتا إلى أن "الإجراءات التي طلبتها مجموعة العمل المالي ليست إجراءات نقدية بل مالية وقضائية وإدارية وأمنية وقطاعات خارجة عن رقابة مصرف لبنان. مع الإشارة إلى أن المركزي يقوم بما يتوجب عليه ضمن القوانين المرعية لمكافحة إقتصاد الكاش ، وإتخاذ الإجراءات التي تؤدي إلى إلتزام لبنان بتوصيات منظمة العمل المالي، ومنها التعميم الذي صدر حول تنظيم عمل شركات تحويل الأموال، وتعميم آخر يتعلق بعدم تعامل مصارف مع شركات وجمعيات معينة".