منذ الإطاحة بنظام الأسد في ديسمبر 2024، تواجه الحكومة السورية الانتقالية تحديات جسيمة تعيق مسار إعادة البناء وتوحيد البلاد، في ظل واقع معقد يشمل تهديدات أمنية داخلية وخارجية، وتركة ثقيلة من الدمار الاقتصادي والانقسام المجتمعي.
حيث يعيق انقسام القوات الحالية إلى أكثر من 80 فصيلاً بأيديولوجيات متباينة بناء جيش وطني موحد قادر على فرض السيادة. كما أن التحديات حادة في إدارة الانقسامات الجغرافية والسياسية، خاصة في مناطق سيطرة قسد في الشمال الشرقي ومطالب الحكم الذاتي في السويداء.
فيما تُعد الخروقات الإسرائيلية المستمرة أحد أبرز التحديات، حيث توغلت القوات الإسرائيلية مؤخرًا في مناطق بريف دمشق، كما حدث في منطقة بيت جن في 25 أغسطس الجاري، والتي أطلق الإسرائيليون فيها النار على مدنيين أثناء احتجاجهم السلمي على التوغل، مما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من الأبرياء.
هذه الحوادث جزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى زعزعة استقرار سوريا ومنعها من بناء دولة موحدة وقوية، عبر استغلال الانقسامات الطائفية والعرقية، ودعم مجموعات مسلحة في الجنوب، وفرض وقائع جديدة على الأرض مثل إلغاء اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 واحتلال المنطقة العازلة في هضبة الجولان.
الخطوات المبذولة
على الرغم من هذه التحديات، فإن الحكومة الانتقالية تسعى لبناء مستقبل أفضل، عبر التركيز على المصالحة الوطنية، واعتماد دستور جديد يضمن حقوق جميع المكونات، وجذب الاستثمارات لإعادة الإعمار. كما أنها بدأت بالفعل محادثات مع إسرائيل بهدف وضع حد لعدوانها المستمر على الأراضي السورية.
في هذا السياق، كشف المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم برّاك، بعد زيارته الأخيرة الى العاصمة دمشق على رأس وفد رفيع، عن أن إسرائيل وسوريا تجريان "مناقشات بنية صادقة" تمهيداً لاتفاق أمني محتمل، إلا أنه أوضح أن الطرفين "ليسا قريبين من التوصل إلى صياغة نهائية" للاتفاق.
وأضاف برّاك في تصريحات لموقع "أكسيوس" أن "لديهما نية ورغبة متبادلة، لكن ما زال هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به في الوقت الراهن"، معتبراً أن "الحوار البنّاء بين هاتين الدولتين هو المدخل لفهم طويل الأمد سيمهد للاستقرار والازدهار في المنطقة".
من جانبه، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن الوفدين السوري والإسرائيلي يحققان تقدماً في المحادثات الرامية إلى تطوير اتفاق أمني ثنائي، مشدداً خلال لقاء صحفي على أنه "لن يتردد في اتخاذ أي اتفاق أو قرار يخدم مصلحة البلاد". وجاءت هذه التصريحات في أعقاب محادثات باريس التي جمعت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بنظيره الإسرائيلي وزير التخطيط الاستراتيجي رون ديرمر في 20 أغسطس، بوساطة أمريكية.
البحث عن التوازن
بنظر الخبراء في الشأن السوري، فإن الولايات المتحدة لا يمكن التعويل عليها في ضمان أمن الحدود السورية أو وقف العدوان الإسرائيلي، فهي الداعم الرئيسي لإسرائيل وتتحرك في إطار مصالحها الاستراتيجية التي لا تتعارض مع أجندة تل أبيب.
التاريخ أثبت أن واشنطن تقدم الدعم العسكري والدبلوماسي غير المشروط لإسرائيل، حتى عندما تنتهك القانون الدولي وتقوم بعمليات عسكرية داخل الأراضي المحتلة وسوريا ولبنان. لذلك، فإن الاعتماد على الوساطة الأمريكية لتحقيق الاستقرار الأمني هو وهم كبير لا يتناسب مع مصالح الشعب السوري.
بدلاً من ذلك، يجب على الحكومة السورية الانتقالية أن تبحث عن توازن قوى إقليمي ودولي فعلي يحمي سيادة البلاد. فيمكن للتواجد العسكري الروسي والتركي في سوريا أن يشكل رادعاً مهماً أمام التمدد الإسرائيلي، حيث تمتلك موسكو وأنقرة نفوذاً وقدرات عسكرية ودبلوماسية تمكنها من فرض تكلفة عالية على أي عدوان إسرائيلي محتمل. كما أن تعزيز التعاون الأمني مع روسيا وتركيا يمكن أن يوفر غطاءً استراتيجياً يساهم في استقرار الحدود ويحد من الخروقات الإسرائيلية.
الاستفادة من روسيا
ووفق الدكتور محمد العلبي المختص بالشؤون الشرق أوسطية فإن طريق تحقيق الأمن والاستقرار في سوريا يمر عبر بناء تحالفات إقليمية ذكية وتوازن قوى يحمي السيادة الوطنية، وليس عبر الاعتماد على وعود دولية مشبوهة أو وساطة أمريكية ثبت تاريخياً أنها منحازة بالكامل لإسرائيل. وفقط من خلال تعزيز العلاقات مع القوى الإقليمية الفاعلة وبناء جيش وطني قادر يمكن لسوريا مواجهة التحديات وبناء مستقبل آمن ومستقر.
وأشار العلبي الى أنه وبعد سقوط نظام بشار الأسد، دخلت العلاقات بين روسيا وسوريا الجديدة مرحلة إعادة تعريف تقوم على البراغماتية والمصالح المتبادلة بدلاً من التحالفات الأيديولوجية. فيما تُظهر الزيارة التاريخية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى موسكو في يوليو الماضي كيف تسعى كل من دمشق وموسكو إلى تأسيس شراكة إستراتيجية جديدة قائمة على "الدعم مقابل الشراكة، لا الحماية مقابل التبعية".
وأضاف أنه من أبرز الفوائد التي يمكن أن تجنيها الحكومة الانتقالية من علاقة الصداقة مع روسيا كقوة عظمى هو أن تلعب موسكو دوراً وسيطاً في حل الملفات الأمنية العالقة، مثل التوترات في الجنوب السوري والتدخلات الإسرائيلية، حيث كانت روسيا تاريخياً الضامن لاتفاقية فصل القوات في عام 1974 ولديها قنوات اتصال مع إسرائيل قد تساعد في تخفيف التصعيد. كما أن الدعم السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، خاصة في مجلس الأمن لا يقل أهمية، حيث تمتلك روسيا حق النقض (الفيتو) الذي يمكن أن يحمي سوريا من قرارات دولية قد تضر بعملية الانتقال السياسي أو استعادة الاستقرار.
على الصعيد الاقتصادي، يمكن للدعم الروسي أن يساهم في إعادة الإعمار من خلال تقديم المساعدات الإنسانية والغذائية، خاصة في مجال القمح الذي تعتبر روسيا أحد الموردين الرئيسيين له لسوريا، وكانت تزود نصف إجمالي الواردات تقريباً. وأما عسكرياً، قد توفر موسكو تسهيلات لتدريب وتسليح الجيش السوري الجديد، الذي لا يزال يعتمد بشكل كبير على المعدات الروسية والسوفياتية، مما يعزز قدرة الحكومة على بسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية.