"ليبانون ديبايت" - محمد علوش
شكّل لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لحظة سياسية أساسية ترسم ملامح المشهد في المنطقة على أبواب العام الجديد. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة في الشارع وفي الكواليس هو: هل نحن أمام حرب شاملة؟ إلا أن هذا السؤال لا يمكن الإجابة عليه بنعم مطلقة أو نفي كامل، لأن المقاربة الواقعية تفرض الفصل بين الرغبة في خوض الحرب، وبين القدرة الفعلية على تحقيق أهدافها.
من حيث الرغبة، لا شك في أن خيار الحرب يتقدّم في عقل بنيامين نتانياهو، وفي عقل اليمين الإسرائيلي المتطرف، على أي خيار آخر. نتانياهو يحتاج إلى الحرب سياسياً، ويحتاجها في معركته الداخلية، ولذلك لا تزال المواجهة مفتوحة على كل الجبهات، ولو بوتيرة مختلفة. لكن الرغبة، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لإشعال حروب كبرى وشاملة، لأن السؤال الحاسم يبقى دائماً: هل تملك إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة الأميركية، القدرة على تحويل هذه الرغبة إلى إنجاز سياسي وعسكري واستراتيجي يحقق الأهداف المعلنة والمضمرة؟
في هذا السياق، يبرز الملف الإيراني كأولوية مركزية في الرؤية الإسرائيلية، وركناً أساسياً في المقاربة الأميركية لإعادة ترتيب المنطقة. وبحسب مصادر قيادية في الثنائي الشيعي، فإن حرب الأيام الاثني عشر، بكل ما حملته من ضجيج وتصعيد، لم تكن كافية لتلبية طموحات تل أبيب ولا واشنطن، إذ لم تُسقط النظام، ولم تكسر الدولة الإيرانية. لذلك، تشير المصادر إلى أن خيار الحرب على إيران لا يزال حاضراً بقوة في العقل الإسرائيلي، لكنه خيار مشروط، لأن الجميع يدرك أن حرباً من هذا الحجم لا يمكن خوضها من دون مشاركة أميركية مباشرة، ولا يمكن تبريرها ما لم تكن قادرة على تحقيق الهدف الأكبر، أي إسقاط النظام في طهران.
ومن وجهة نظر هذه المصادر، فإن قرار الحرب على إيران لا يرتبط بالتصعيد الإعلامي ولا بالضربات المحدودة، بل بميزان القدرة على تحقيق الهدف النهائي. وبالتالي، لو كان لدى الإسرائيلي والأميركي تأكيدات، ليس بالضرورة أن تصل إلى حد اليقين الكامل، بأن الحرب قادرة على إسقاط النظام الإيراني، لما ترددا لحظة واحدة في الذهاب إليها. غير أن الوقائع القائمة، والمنطق السياسي والعسكري السائد، لا يقودان اليوم إلى هذا الاستنتاج. لذلك، يجري العمل على مسار موازٍ يقوم على استدعاء إيران إلى طاولة التفاوض، ولكن بشروط قاسية لم يُخفَّض سقفها بعد، مترافقة مع سياسة تهديد مفتوحة، ورفع منسوب الضغوط الاقتصادية والسياسية، ومحاولات حثيثة لاستثمار أي تحركات أو تململ داخلي، أملاً في فرض تغيير من الداخل.
ومع ذلك، لا تستبعد هذه المصادر احتمال وجود عنصر لا منطقي في المشهد، يتمثل بإمكانية امتلاك إسرائيل والولايات المتحدة مفاجآت مخفية، أو أدوات غير ظاهرة، قد تكون عسكرية أو أمنية، وقد تجعل القراءة الحالية للوقائع منقوصة. هذا الاحتمال، وإن لم يكن مرجحاً وفق المعطيات المتاحة، يبقى قائماً في حسابات الأطراف المعنية، تبعاً للتجارب خلال الأشهر الماضية.
أما في ما يتعلق بلبنان، فتؤكد المصادر أن المسار لا ينفصل عن السياق الإقليمي الأوسع. فعندما أبلغ الإسرائيليون الجانب المصري بنيتهم ضرب إيران، أوضحوا في الوقت نفسه أنهم يريدون، قبل ذلك، توجيه ضربات إلى حزب الله والحوثيين، أو على الأقل انتزاع تعهد واضح من أحدهما أو كليهما بعدم الانخراط في أي حرب كبرى إلى جانب إيران. ويعكس ذلك بوضوح أن الجبهة اللبنانية تُقرأ في تل أبيب كعنصر حاسم في أي مواجهة إقليمية شاملة.
ما قاله دونالد ترامب عن لبنان بعد لقائه نتانياهو، بحسب هذه القراءة، لم يحمل أي جديد نوعي. فتوصيفه لحزب الله بأنه “يتعامل بشكل سيئ” هو كلام متوقع، ولا ينتظر أحد من رئيس أميركي أن يقول عكس ذلك. كما أن حديثه عن أن الحكومة اللبنانية في “وضع غير مؤاتٍ بعض الشيء” يندرج في الإطار نفسه، إذ ستستمر الضغوط على الحكومة، وستبقى موضوعة في خانة التقصير، طالما أن المطلوب أميركياً وإسرائيلياً هو الانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل حصر السلاح ونزع عناصر القوة من المقاومة. ومن هنا، لا ترى هذه المصادر في كلام ترامب أي مفاجأة أو تغيير في المقاربة الأميركية تجاه لبنان.
الحرب على لبنان، بمنطقها وأهدافها، تشبه إلى حد كبير الحرب على إيران. والسؤال المركزي هو نفسه: هل تستطيع الحرب تحقيق الهدف؟ وفي الحالة اللبنانية، الهدف واضح، وهو إنهاء المقاومة ونزع سلاحها وتغيير موازين القوة الداخلية. والجواب، وفق المنطق والوقائع المتاحة، هو بالنفي. فلا توجد قدرة حقيقية، عبر الحرب، على تحقيق هذا الهدف، ما لم يكن لدى إسرائيل معطيات مخفية استثنائية، تشبه تلك التي كانت لديها قبل حرب أيلول 2024.
وتستحضر هذه المصادر تجربة ما قبل حرب أيلول 2024، حين كانت كل التحليلات والمعطيات والوقائع تقريباً تشير إلى أن الحرب الشاملة مستبعدة، قبل أن يتبيّن لاحقاً أن إسرائيل كانت تمتلك خروقات أمنية ومعلوماتية عميقة غيّرت حساباتها. ومع ذلك، وحتى في ظل تلك المعطيات المخفية، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق كامل أهدافها في لبنان، كما لم تنجح في تحقيق أهدافها في إيران، رغم ما كانت تملكه من أدوات وقدرات.
في المقابل، عندما يُقال إن المنطق الحالي لا يدل على حرب شاملة على لبنان، فإن هذا الاستنتاج يستند أيضاً إلى الرأي الأميركي، الذي يرى أن ما عجزت عنه الحروب خلال أكثر من أربعة عقود من الصراع يمكن تحقيقه عبر مزيج من الدبلوماسية والتهديد والضغط الاقتصادي والسياسي، والاستنزاف الإسرائيلي العسكري المنضبط. ومن هذا المنطلق، ترجّح هذه المصادر أن يستمر التعويل الأميركي على هذا المسار في المرحلة المقبلة، على الأقل، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تصعيد إسرائيلي مدروس، لا يُستبعد أن يشمل ضربات كبيرة أو اغتيالات على مستوى رفيع، وربما توسيع المنطقة العازلة في بعض النقاط، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، ما لم تتغيّر المعطيات بشكل جذري.
خلاصة القول، إن المنطق لا يفرض وقوع حرب شاملة، لكن المنطق وحده لا يكفي للجزم بعدم وقوعها. وبالتالي، يبقى الباب مفتوحاً أمام احتمال المفاجآت، وهو ما يدركه كل من تهدّدهم إسرائيل. أما المفاجآت، إن وُجدت، فهي خارج إطار المكان والزمان.