"ليبانون ديبايت" - باسمة عطوي
قدّم حاكم مصرف لبنان كريم سعيّد في المؤتمر الصحافي الذي عقده يوم الخميس، حلقة من سلسلة الإصلاحات المطلوبة من لبنان، لإستعادة ثقة المجتمع الدولي والمؤسسات المالية به، بعد أن أنجزت حكومة الرئيس نواف سلام ما عليها من تعيينات وقوانين، للخروج من الأزمة المالية أي قانون هيكلة المصارف والفجوة المالية(بغض النظر عن الملاحظات عليها).
فالمطلوب دوليا من مصرف لبنان إعادة الوضع المالي والنقدي إلى سكّته السليمة، من خلال جهوده لمكافحة تبييض الأموال والإثراء غير المشروع، ومحاربة الإفلات من العِقاب بعد كل ما حمله الإنهيار المالي من ويلات على المودعين، والتعاون مع القضاء الأوروبي في ملفات قضائية حول الحاكم السابق رياض سلامة، وكلها إصلاحات تُساعد على إخراج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، وتزيد من فرص إطلاق حركة النمو الاقتصادي وعودة الانتظام إلى العمل المصرفي في لبنان.
لكن في مقابل ما أبداه سعيد من إستعداد للتعاون مع المجتمع الدولي وإنجاز الاصلاحات المطلوبة من المركزي، بدا مُتشددا حيال الدولة اللبنانية لجهة إعتبار أن لمصرف لبنان "الحق المركزي الكامل والمشروع، وفقًا للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، تجاه الدولة، فيما يتعلّق بجميع التسهيلات الائتمانية، أو السلفات، أو القروض، أو الأموال التي تمّ منحها أو وضعها بتصرّف الحكومات المتعاقبة، وذلك بهدف استرداد هذه الأموال واستخدامها حصراً في سداد الودائع"، فهل المقصود هنا مبلغ 16 مليارو 500 مليون دولار الذي تمت تسويته في قانون الفجوة المالية؟ والسؤال الآخر هل سيتمكن سعيد من تنفيذ المحاسبة التي وعد بها؟ وهل له القدرة على المواجهة للنهاية، لأن هناك منظومة سياسية- مصرفية ستتضرر ولن تقف مكتوفة الأيدي، أم أن المعالجة ستكون على غرار ما حصل في قانون الفجوة، تسوية على الطريقة اللبنانية؟
قبل الاجابة على هذه الاسئلة وقراءة دلالات ما قدمه سعيد، لا بد من التذكير بأنه كشف عن "سلسلة من الإجراءات القانونية والدعاوى والمسارات القضائية الحاسمة، التي باشر بها مصرف لبنان والتي سيواصل متابعتها في لبنان وخارجه، ضد أشخاص أساؤوا استعمال وظيفتهم وخالفوا واجب الأمانة والعناية والولاء لمهامهم أكانوا في مصرف لبنان، أو كانوا شاغلين مناصب في مصارف خاصّة أو في مكاتب إستشاريّة وانتهكوا القوانين والأنظمة التي تحكم عمل المصرف المركزي، بهدف وحيد وهو الإثراء غير المشروع"، مشددا على أن "مهمة المركزي تتمثّل في ملاحقة هؤلاء الأشخاص والجهات، وطلب إدانتهم قضائياً، وحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة وعائدات أفعالهم غير المشروعة، لتأمين السيولة لأصحاب الحقوق، وفي مقدمتهم المودعون ، وتثبيت حق المركزي الكامل والمشروع، وفقًا للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، تجاه الدولة، فيما يتعلّق بجميع التسهيلات الائتمانية، أو السلفات، أو القروض، أو الأموال التي تمّ منحها أو وضعها بتصرّف الحكومات المتعاقبة، وذلك بهدف استرداد هذه الأموال واستخدامها حصراً في سداد الودائع".
مارديني: المحاسبة وحدها تُعيد الثقة بالبلد وبالقطاع المصرفي
يصف الخبير الإقتصادي والمالي باتريك مارديني ل"ليبانون ديبايت"، أن "الإجراءات القضائية التي أعلن عنها سعيّد هي خطوة جيدة ومشجعة، لأنها تؤمن نوع من المحاسبة على الجرائم المالية التي حصلت قبل الأزمة وخلالها"، مُعتبرا أنه "لمعالجة الأزمة على لبنان السير وفق خطين متوازيين، الأول هو إعادة المصارف إلى العمل وإطلاق حركة النمو الإقتصادي، من خلال القروض وجذب ودائع وتنظيف البيانات المالية الخاصة بالمصارف وهذا أمر يحققه تنفيذ قانون الفجوة"، ويشدد على أن "إعادة الثقة بالقطاع المصرفي يجب أن تحصل من خلال مُحاسبة الأشخاص الذين تسببوا بالإنهيار والفجوة، وإستعادة ما يمكن من الأموال وهذا مسار قضائي، بدأ فيه حاكم المركزي يوم الخميس وعلى السياسيين القيام بإجراءات قانونية مماثلة في وزارات معينة، لأن الهدر لم يكن فقط في مصرف لبنان بل أن الهدر الأكبر حصل في الوزارات، والمُحاسبة يجب تتم بهذه الطريقة وإلزام كل من إختلس الأموال أن يردها، علما أن هناك أموالا تم هدرها على سياسات خاطئة مثل دعم الكهرباء، لكن العمولات التي تقاضاها مسؤولون مقابل إجراءات معينة يمكن إسترداها من أموالهم الشخصية".
يجزم مارديني أن "المحاسبة وحدها هي التي تُعيد الثقة بالبلد وبالقطاع المصرفي، لأنه إذا تّم تنظيف بيانات المصارف عن طريق قانون الفجوة، فإن إعادة الثقة بها يكون عبر المحاسبة. أما الشق الثاني فيتعلق بوضع لبنان على اللائحة الرمادية، وأحد الأسباب هو عدم تعاون السلطات اللبنانية مع السلطات الأجنبية في موضوع الإثراء غير المشروع، وبالتالي كلام سعيد هو إشارة عن إستعداد لبنان، للتعاون مع القضاء الاجنبي لمعالجة مشاكل الإثراءغير مشروع وتبييض الأموال التي حصلت من خلال نافذين في لبنان"، مُعتبرا أن "هذا يُعطي إشارة قوية لتحسين وضع لبنان على لائحة منظمة العمل المالي. فالبدء بالمحاسبة وإقرار قانون الفجوة يلبّون الى حد كبير الشروط والإصلاحات التي يطلبها المجتمع الدولي لمساعدة لبنان".
ويختم:"هذا يعني أن الحكومة والمؤسسات المعنية، تنجز الإلتزامات التي تعهدت بتطبيقها تجاه الشعب اللبناني والمجتمع الدولي، في إسترداد الاموال التي تمّ إختلاسها وهذا ما سيساهم في إعادة لبنان إلى مصافي الدول الطبيعية وليس الدول المارقة".
أبو الزور:إصرار الحاكم على 16 مليار ينسف قانون الفجوة
في القراءة القانونية، ترى المحامية دينا أبو الزور أن "الحاكم يرسل رسالة إلى الداخل والخارج، مفادها أن مصرف لبنان يملك أموالا يجب أن يستعيدها، وهذا أمر مُرحب به أي القيام بأي إجراءات مبنية على تقارير وتدقيق من شركات مختصة للتحرك قضائيا لإعادة أموال مصرف لبنان".
في المقابل تتوقف أبو الزور عند "إصرار الحاكم على إعتبار مبلغ 16.5 مليار دولار هي دين على الدولة، رغم أن جميع رؤساء الحكومات ووزراء المال لا يوافقون على ذلك، وتّم إيجاد توليفة له بموجب قانون الفجوة المالية يقضي بمساهمة الدولة في إعادة رسملة مصرف لبنان وفقا للمادة 113 من قانون النقد والتسليف، ولم يتم الإقرار بهذا الدين، وإلا نكون نرتب ديونا جديدة على الدولة ليست في مكانها"، معتبرة أن "الإدعاء على الأشخاص والشركات التي إستفادت في الفترة الماضية، هو موضوع مُشجع ومفترض أن يتم منذ سنوات وأن تكون الدولة اللبنانية شريكة في هذه الإجراءات بالإضافة إلى مصرف لبنان، لكن كلامه يحمل تأويل، إذ أصّر خلال المؤتمر على حصر حديثة على الشق القانوني، لكن لم نعرف إذا حصل تدقيق ولم يتم نشر تقارير صدرت عن المركزي حول هؤلاء الأشخاص، وبالتالي علينا إنتظار الإجراءات القضائية التي ستتخذ بحق أي جهة (شركة فوري وشركة أخرى)".
ترى أبو الزور أن "تمسك الحاكم بإعتبار 16 مليار و 500 مليون دولار دين على الدولة، ينسف قانون الفجوة لأن حجم الفجوة المالية يتغير في حال تم إحتساب هذا المبلغ (16 مليار) ضمن خسائر الدولة أو ديونها، لأن العمليات التي تم التصرف فيها ب16 مليار سجلت في وزارة المالية على أنها عمليات قطع، كان يقوم بها المركزي لحساب الدولة اللبنانية وليس دينا عليها أو قروض أو سلف".
وتختم:"تحدث سعيد عن أموال صُرفت على إجراءات قامت بها الدولة، بالتالي يجب أن يكون هناك تحقيق لمعرفة من إستفاد من هذه الأموال،أي الدعم وصيرفة والتعاميم التي حصلت في الأزمة، عندها يمكن معرفة مصيرها من خلال التحقيق".