"ليبانون ديبايت"-محمد علوش
في الشقّ العاطفي، أصاب رئيس الجمهورية جوزيف عون، في مقابلته على تلفزيون لبنان، فئةً لبنانيةً واسعة بأذى كبير، عندما أنكر تضحياتها ودعاها إلى “التعقّل”، وكأنّ فعل المقاومة كان بمثابة جنون. أمّا في الشقّ السياسي، فهناك الكثير من النقاط التي تتوقّف عندها مصادر قيادية في الثنائي الشيعي، حيث بدا الخطاب وكأنّه يسير على حافة دقيقة بين توصيف الواقع والانزلاق إلى التسليم به.
في البداية، تتّفق المصادر مع رئيس الجمهورية في كثير من العناوين، ولو كانت تختلف معه على التفاصيل، علمًا أنّ هذا الخلاف لن يُفسد حالة الحوار الدائم بين بعبدا وهذا المكوّن اللبناني. وبحسب المصادر، فإنّ بيئة المقاومة لم تكن يومًا في مواجهة فكرة الدولة، ولا ترى في السلاح غاية بحدّ ذاته، بل على العكس، كانت ولا تزال من أكثر البيئات تعطّشًا لدولة قوية وقادرة وعادلة، تحمي مواطنيها وتصون سيادتها. لكن ما يُعدّ مجحفًا، بل ومسيئًا، بحسب المصادر، هو القفز فوق حقيقة أنّ هذه الدولة، كما هي اليوم، لم تحمِ مواطنيها من العدوان الإسرائيلي المستمر، ولم توقف القتل اليومي، ولم تمنع التدمير المنهجي للقرى والبلدات بعد وقف الحرب، ثم يُطلب منها فجأة أن تكون المرجعية الوحيدة للحماية، فيما تُسحب أوراق القوّة وكأنّها لم تكن.
وفي المقابلة نفسها، تحدّث رئيس الجمهورية عن “الحماية” التي تؤمّنها الدولة والجيش، وعن غياب الإمكانات لدى الجيش بما يمكّنه من تنفيذ خطة حصر السلاح، وبالتالي فإنّ الحماية التي يتحدّث عنها عون تبدو أقرب إلى عبارة إنشائية منها إلى واقع ملموس. وتقول المصادر عبر “ليبانون ديبايت”: “لا أحد ينكر الواقع القائم، لا ميزان القوى ولا حجم الضغوط ولا تعقيدات الإقليم، لكن السؤال الجوهري هو: كيف نقرأ هذا الواقع؟ هل نقرأه كمعطى قابل للتغيير عبر الصمود والمراكمة والتفاوض، أم كقدر يفرض علينا الانصياع والاستسلام؟ فإذا كنّا مسلّمين سلفًا بأن لا قدرة لدينا على المواجهة ولا على الصمود، فعلى ماذا نفاوض؟ وهل بات مسلّمًا به أنّ لبنان يمكن أن يُبنى ويعيش فيما جنوبه ينزف، ومحتل، وربما مقتطع من الخريطة اللبنانية مستقبلًا؟”.
وتلفت المصادر إلى أنّ حصر السلاح، إذا كان مطلبًا داخليًا فعليًا كما يُقال، فمن البديهي أن يُطرح في سياق سيادي لبناني صرف، وبعد انتهاء الحرب والاحتلال والاعتداءات. أمّا تقديمه كأولوية قبل وقف النار وقبل تحرير الأرض، فيطرح علامة استفهام كبرى حول ترتيب الأولويات: هل المطلوب نزع أوراق القوّة أم إزالة أسباب العدوان؟ وهل المشكلة باتت في السلاح أم في الاحتلال الذي يستبيح الأرض والسماء يوميًا؟
الأخطر، وفق المصادر، ليس في المطلب بحدّ ذاته، بل في السياق الذي يُطرح فيه. فإذا كان داخليًا، لماذا يُربط بآليات خارجية؟ ولماذا يُنتظر رأي “الميكانيزم” لتزكية دور الجيش؟ ولماذا يُطلب من الفرنسيين والأميركيين النزول إلى الجنوب “للاطلاع عن كثب” على عملية سحب السلاح؟ ولماذا تُحدَّد مهل زمنية للبنان، إلّا إذا كان المقصود فصل السلاح جنوب الليطاني، المرتبط بقرار وقف إطلاق النار والقرار 1701، عن شمال الليطاني المتروك للشأن الداخلي؟ وعندها يصبح من البديهي أن يتم الأمر بالحوار، بعد انتهاء الخطر الخارجي.
وتضيف المصادر: “أين الاستراتيجية الوطنية للأمن التي وردت صراحة في خطاب القسم؟ ولماذا لم تكن هي الإطار الناظم لهذا النقاش بدل تحويله إلى مسار تقني خاضع للضغط الخارجي بهذا الشكل؟”.
كذلك، تتوقّف المصادر عند الغياب شبه الكامل للمشروع الإسرائيلي عن مقاربة الرئاسة. فإسرائيل لا تُخفي أهدافها، لا في لبنان ولا في فلسطين ولا في سوريا ولا في المنطقة وصولًا إلى إفريقيا، ومشروعها التوسّعي ليس فرضية نظرية بل وقائع ميدانية تتجسّد اليوم أمامنا. فكيف نواجه هذا المشروع؟ هل بالتمسّك بأوراق القوّة لاستخدامها في التفاوض، أم بسحبها مسبقًا، ليصبح السؤال عندها: على ماذا نفاوض وبأي منطق؟
وفي هذا السياق، تعلّق المصادر على اللغة المستخدمة، حيث بدا وكأنّ هناك “نحن” و”هم” داخل الكيان الواحد. من هو الطرف الآخر في معادلة الرئيس، وعلى من يحسب نفسه؟ وأليس الأجدى، في لحظة تهديد وجودي، أن يكون هناك “نحن” واحدة، نقرأ الوقائع سويًا، نختلف في الأساليب لكن نتّفق على الهدف، ونبني خطط المواجهة بكافة أشكالها؟
أمّا الحديث عن سياسة المحاور والحياد، فترى المصادر أنّه منفصل عن الواقع. فماذا في سوريا اليوم يبرّر لإسرائيل ما تقوم به؟ وهل انسحاب بعض القوى أو تبدّل التموضع الإقليمي أوقف العدوان؟ وهل هناك حياد ممكن أصلًا في ظل مشروع إسرائيلي لا يعترف بالحدود ولا بالسيادة؟
وتختم المصادر بالقول إنّ أخطر ما يمكن أن يفعله أي طرف يفاوض هو أن يتحدّث من موقع استسلام كامل، لأنّ ذلك يفتح الباب أمام فرض الشروط لا التفاوض عليها.