يوم أمس الإثنين، أصدر العدو الإسرائيلي إنذارًا عاجلًا لاستهداف مبنيين في بلدتي كفرتبنيت وعين قانا، ما أدّى إلى حالة هلع واسعة في صفوف الأهالي، رافقها إخلاء فوري ومؤقّت للمناطق المهدَّدة، بانتظار تنفيذ الاستهدافات.
هذا التطوّر الأمني الخطير دفع عشرات العائلات إلى نزوح سريع باتجاه مدينة النبطية ومحيطها، هربًا من خطر داهم، وكان في طليعة هؤلاء أطفال ونساء وكبار سن.
نزوح تحت الضغط… وحواجز بلا استثناء
في ذروة هذا المشهد الأمني، ومع الارتفاع الكبير في حركة النزوح والضغط الاستثنائي على الطرقات المؤدية إلى النبطية، فوجئ المواطنون باستمرار الحواجز الأمنية داخل المدينة وعلى مداخلها، وكأنّ ما يجري لا يستدعي أي إجراء استثنائي أو تخفيف مرحلي.
القوى الأمنية واصلت تنفيذ خطة الحواجز والتشدّد في الإجراءات من دون أي مراعاة للظروف الطارئة، ما أدّى إلى اختناقات مرورية خانقة امتدّت لمسافات طويلة، وتسبّبت بتعليق مئات السيارات لساعات، بينها عائلات نازحة وأطفال عالقون وسط البكاء والقلق والخوف.

القانون… ولكن بلا حسّ إنساني
لا خلاف على ضرورة تطبيق القانون ولا على أهمية الحواجز الأمنية في حفظ الاستقرار، غير أنّ الإشكالية تكمن في طريقة التطبيق وفي توقيته. التعامل مع حالة نزوح قسري ناتجة عن تهديد إسرائيلي جرى بالمنطق نفسه المعتمد في الأيام العادية، من دون أي تمييز بين ظرف اعتيادي وحالة طارئة تحمل أبعادًا إنسانية وأمنية دقيقة.
بحسب معطيات ميدانية، برّر بعض العناصر والضباط استمرار الحواجز بالتقيّد بتعليمات صادرة عن وزارة الداخلية تقضي بتطبيق القانون من دون استثناء. هذا التبرير، وإن بدا إداريًا، يفتح الباب أمام مساءلة أوسع تتعلّق بغياب سلطة التقدير الميداني، وبتعطّل القرار القادر على الموازنة بين مقتضيات الأمن ومتطلّبات السلامة الإنسانية في لحظة خطر حقيقي.
مسؤولية مباشرة ومحاسبة مطلوبة
ما جرى لا يمكن فصله عن مسؤولية مباشرة تقع على عاتق الضباط المكلّفين إدارة الحواجز في النبطية. فالقانون لم يُشرَّع يومًا ليُستخدم كأداة ضغط في لحظات الخطر، ولا ليُطبَّق بمعزل عن الحدّ الأدنى من الحسّ الإنساني.
تجاهل الواقع الاستثنائي، وعدم اتخاذ قرار فوري بتخفيف الإجراءات أو تعليق الحواجز مؤقّتًا لتسهيل حركة النزوح، يُعدّ تقصيرًا واضحًا يستوجب المساءلة، لا التبرير.
بين واجب حفظ الأمن وضرورة حماية الناس، ثمّة خيط رفيع اسمه المسؤولية. وما حصل في النبطية بالأمس يطرح سؤالًا واضحًا: هل تُدار الأزمات بعقلٍ أمني جامد، أم بقرارٍ وطني يضع الإنسان أوّلًا؟ الإجابة، كما يبدو، لم تكن على مستوى الخطر ولا على مستوى معاناة الناس.