وفي هذا السياق، يؤكد المستشار في الاتحاد الأوروبي، الدكتور محيي الدين الشحيمي، في حديث لـ"ليبانون ديبايت"، أن زيارة وزير الخارجية الفرنسية المرتقبة إلى لبنان تحمل في طياتها ثلاثة عناوين أساسية ومفصلية، تندرج في إطار تحسين المرحلة المقبلة في لبنان والمنطقة.
ويوضح أن العنوان الأول ذو طابع محلي، ويعبّر عن الدعم الفرنسي الدائم والمتابعة المستمرة لشؤون الاستقرار الداخلي في الدولة اللبنانية، ولا سيما ما يتصل باستدامة استكمال تراكمات بناء الدولة ومؤسساتها. ويأتي ذلك في صلب الدعم المباشر للجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية، باعتبارها العمود الفقري للأمن الشرعي في لبنان، وبالتوازي مع الشرعية الدولية والتعاون لتطبيق المراحل المرتقبة من الاتفاقيات والقرارات الدولية.
ويشير إلى أنه في هذا الإطار، تعكف فرنسا حاليًا على دعوة وإقناع أكثر من خمسين دولة حول العالم للمشاركة في مؤتمر دعم الجيش اللبناني المرتقب، والذي بلغ مراحله التمهيدية النهائية، ومن المتوقع أن ينعقد خلال الأسبوعين المقبلين. ومن المنتظر أن ينتج عن هذا المؤتمر سلسلة مؤتمرات أخرى ولقاءات متعددة، سواء في فرنسا أو في إحدى دول المجموعة الخماسية.
أما العنوان الثاني في زيارة وزير الخارجية الفرنسية، فيتصل بعملية وساطة من نوع خاص، تقوم على التواصل ومحاولة الإقناع مع الأطراف المعنية، ولا سيما مع حزب الله، بهدف الحؤول دون انزلاق لبنان إلى مسار عدم الاستقرار. ويُنظر إلى الحزب على أنه الطرف المتهور في الداخل اللبناني، والذي تدفع مواقفه وتصريحاته وعقيدته إلى وضع لبنان في موقع مهدد، ومعرّض للضربات والاستهدافات العسكرية، وربما لأي مواجهة مقبلة، استنادًا إلى تصريحات قادته حول الرد عند أي استهداف لإيران.
ويضيف الشحيمي أن هذه المواقف أثارت نوعًا من الارتياب والقلق لدى الجانب الفرنسي، الذي سيسعى من خلال هذه الزيارة إلى إقناع الحزب بعدم التهور أو الإقدام على خطوات انفعالية شبيهة بما جرى في إطار "حرب الإسناد"، والدفع باتجاه دعم الدولة اللبنانية واستمرارها في نهجها الحيادي، أما العنوان الثالث، فيتمثل بمحاولة الاستفادة من الخطوات القائمة على الساحة، واستثمارها لإنجاح المرحلة المقبلة، ولا سيما مرحلة ما بعد "الميكانيزم"، ومرحلة تطبيق الخطوات المتتالية للاتفاقات الدولية، التي بدأت ترتسم معالمها لجهة تنظيم العلاقة بين لبنان والكيان الإسرائيلي. ويشمل ذلك انتشار الجيش اللبناني على كامل الجنوب، شماله وجنوبه، تمهيدًا لمتابعة الملفات الأساسية، وفي طليعتها استعادة الأسرى، والانسحاب الإسرائيلي من النقاط الحدودية، إضافة إلى ملف إعادة الإعمار.
ويتابع أن هذا المسار يرتبط أيضًا بنتائج زيارة قائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة الأميركية، والتي تُعد بمثابة تعويض عن تعليق الزيارة السابقة، وقد ساهمت فرنسا بشكل جدي في تذليل العقبات التي حالت دون حصولها. وفي حال جاءت نتائج هذه الزيارة إيجابية، كما هو متوقع ومعلن، فإن دعم الجيش والدولة اللبنانية، أي السلطة التنفيذية، سيكون على مستوى متقدم، خلافًا لما كان عليه خلال مرحلة الأزمة، حيث اقتصر الدعم حينها على المؤسسة العسكرية، مع تهميش حكومة نجيب ميقاتي التي كانت في مرحلة تصريف الأعمال.
ويخلص الشحيمي إلى أن زيارة وزير الخارجية الفرنسية تُعد زيارة دورية ضمن سلسلة زيارات، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، إلا أنها تحمل طابعًا مفصليًا، لكونها تأتي في عهد جديد ومرحلة سياسية جديدة، وتشكل مدخلًا للمرحلة الثانية من عمل الجيش اللبناني، في وقت تمر فيه المنطقة بمرحلة حساسة ودقيقة، على وقع تصاعد التوتر الإيراني–الأميركي، وضبابية مسار المفاوضات، بالتوازي مع الوساطة الجارية بين إيران والولايات المتحدة في تركيا، بحضور أطراف دولية تجمع على ضرورة تحييد لبنان، وعودة الحزب إلى عقلانيته السياسية اللبنانية، والالتزام بالاتفاق الذي وقّع عليه، والقاضي بأن يكون حزبًا سياسيًا يعمل تحت سقف الدستور اللبناني.