وفي هذا السياق، شكا أحد سكان مبنى خالد عبدو عند دوّار أبو علي في طرابلس من تسرّب مياه المجارير بشكل دائم في محيط المبنى وداخله.
وقد وثّقت كاميرا "RED TV" المشاهد الميدانية، حيث ظهرت المياه الآسنة تطفو في الشارع وتتسرّب إلى داخل المنازل، متسبّبة بروائح كريهة وأضرار إضافية في البنية الإنشائية، ما يزيد من هشاشة المبنى ويضاعف المخاطر على قاطنيه.
مياه المجارير تغزو المنازل… كاميرا "RED TV" توثّق معاناة مبنى خالد عبدو عند دوّار أبو عليhttps://t.co/vaRay5PLje pic.twitter.com/yC0KpKgCAl
— Lebanon Debate (@lebanondebate) February 11, 2026
وبينما تتقدّم أعمال الترميم في بعض المواقع، يطرح الواقع سؤالًا أساسيًا حول مدى كفاية هذه الإجراءات من الناحية القانونية، في ظل استمرار مسبّبات الخطر من دون معالجة جذرية.
في هذا الإطار، أكّد مصدر قانوني مطّلع على الملف، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أنّ ما يجري اليوم يقتصر في معظمه على محاولات ترميم محدودة، في حين أنّ البلدية، وفق تعبيره، غير قادرة فعليًا على معالجة المشكلة من جذورها.
وأشار إلى، أنّ "الخلل الأساسي يكمن في وجود قنوات مياه ومجارير متضرّرة، إضافة إلى تسرّبات مستمرة للمياه في الشوارع، وهي عوامل تؤدي مباشرة إلى ضرب أساسات الأبنية وتصدّعها، ولا سيّما تلك التي يتجاوز عمرها 100 عام".
ولفت المصدر إلى، أنّ "المياه الجارية بشكل دائم في الشوارع كفيلة، بحدّها الأدنى، بإضعاف الأبنية القديمة وتسريع تهالكها"، متسائلًا عمّا إذا كانت البلدية غير معنيّة بالمحاسبة عن هذا الإهمال، رغم أنّها الجهة الإدارية المختصة بحماية المصلحة العامة وسلامة المواطنين.
وأضاف، أنّه "حتى في حال غياب الإخطارات أو الاستدعاءات الرسمية، كان يفترض بالبلدية أن تبادر من تلقاء نفسها إلى الكشف على الأبنية القديمة ضمن نطاقها، ولا سيّما بعد تسجيل حوادث سابقة وانهيارات جزئية وقشط في عدد من المباني".
وأكّد أنّ "المسؤولية لا تتوقّف عند حدود البلدية، بل تمتدّ أيضًا إلى المحافظ الذي يملك صلاحية الرقابة على البلديات، وكان يفترض به توجيه إنذارات وتعليمات واضحة بضرورة اتخاذ إجراءات وقائية، والكشف على الأبنية المحيطة بأي موقع يشهد حادثة مماثلة، إلى جانب توعية السكان على الأسباب التي قد تؤدي إلى الانهيارات."
واستعاد المصدر مثال إقفال أحد المباني في العدلية – بعبدا، حيث صدر قرار الإقفال بناءً على كشف تنظيمي وتقني، لا على قرار قضائي، بعدما تبيّن أنّ المبنى غير مدعّم بشكل كافٍ ومعرّض للانهيار في أي لحظة. واعتبر أنّ هذا النموذج يثبت أنّ صلاحية حماية السلامة العامة تقع أساسًا على عاتق البلدية والتنظيم المدني، لا القضاء.
وشدّد على أنّ "الخطر في طرابلس كان معروفًا منذ أسابيع، قبل وقوع الحادثة الأخيرة وسقوط ضحايا، معتبرًا أنّ الانتظار حتى وقوع الكارثة يعكس نمطًا متكررًا من الإهمال".
وقال: إنّ "الحديث لا يدور عن مبنى واحد، بل عن مئات الأبنية التي قد تضم مئات الأشخاص المعرّضين حياتهم للخطر، ما يستدعي خطة طوارئ عاجلة من الدولة بكل أجهزتها، وفي طليعتها البلديات".
وفي موازاة ذلك، اعتبر المحامي شربل شرفان، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أنّ "المسؤولية القانونية المباشرة تبقى، من حيث المبدأ، على عاتق المالك، إلا أنّ الدولة، بوصفها دولة رعاية، يُفترض أن تقف إلى جانبه وتساعده، لا سيّما أنّها سبق أن قيّدته في حقوقه".
ودعا في هذا الإطار إلى "إنشاء صندوق خاص لترميم الأبنية المهدّدة بالانهيار، بدل الاكتفاء بحلول ظرفية قائمة على القروض أو الهبات".
وأشار شرفان إلى، "عوامل إضافية تسهم في تدهور سلامة المباني، أبرزها الإهمال في صيانة شبكات المياه والمجارير، فضلًا عن التعديلات الهندسية غير القانونية التي قد يُقدم عليها بعض المستأجرين أو المالكين داخل الشقق، كإضافة غرف أو حمّامات أو إزالة جدران حاملة، ما يؤدي إلى الإخلال بتوازن الأحمال وإضعاف متانة المبنى".
ويأتي هذا السجال في وقت تتكرّس فيه القناعة بأنّ أزمة الأبنية في طرابلس ليست حادثًا عابرًا، بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال وغياب التخطيط الاستباقي، وسط مطالب متزايدة بانتقال الدولة من منطق ردّ الفعل إلى سياسة الوقاية، قبل فوات الأوان.