ففي ذلك العام تراجع التيار من 33 نائباً في 2009 إلى 21 نائباً، لكنه بقي الكتلة السنية الأكبر بقيادة الرئيس سعد الحريري. ثم جاءت محطة 2022 وتعليق العمل السياسي، فدخل الشارع السني في حالة فراغ قيادي غير مسبوقة، وتوزعت الأصوات بين قوى محلية، شخصيات مستقلة، ومجموعات ناشئة. منذ تلك اللحظة لم تعد المسألة حجم قاعدة انتخابية، بل قدرة على إعادة تجميعها ضمن لائحة قادرة على تجاوز الحاصل في كل دائرة.
القانون النسبي حوّل الانتخابات إلى معادلة رياضية قبل أن تكون مواجهة سياسية. الحاصل الانتخابي يُحتسب على مستوى الدائرة الكبرى، لا على مستوى الطائفة، وأي تشتت داخل البيئة الواحدة يُسقط المقاعد حتى لو توافرت أرقام مرتفعة داخلها. في النظام الأكثري كان الصوت الاحتجاجي يبقى ضمن البيت السياسي نفسه، أما في النسبي فيتحول إلى كسور متناثرة تمنح المنافسين أفضلية حسابية.
في بيروت الثانية، حيث الثقل السني الأوضح، يتراوح عدد المقترعين في ظروف متوسطة بين 150 و160 ألفاً. الحاصل قد يدور بين 12 و15 ألف صوت وفق نسبة المشاركة العامة. إذا نجح تيار المستقبل في رفع نسبة الاقتراع السني إلى ما فوق 45%، وتمكن من توحيد اللائحة وضبط الصوت التفضيلي، يمكنه تحقيق حاصلين ثابتين، أي مقعدين مضمونين، مع إمكانية مقعد ثالث إذا حصل تشتت كبير داخل اللوائح المنافسة. أما إذا تعددت اللوائح السنية وتراجعت نسبة التعبئة، فقد ينخفض السقف إلى مقعد واحد، حتى لو كان الحجم الشعبي الظاهر أكبر من ذلك.
في طرابلس – المنية – الضنية، الصورة أعقد. البيئة منقسمة منذ سنوات، والزعامات المحلية رسخت حضورها الخدمي والسياسي، ولم يعد الصوت الطرابلسي يصوّت تلقائياً للعنوان المركزي. لذلك فإن الدخول المنفرد قد لا يضمن أكثر من مقعد واحد، بينما تحالف واسع قد يرفع النتيجة إلى مقعدين. أما في حال تكرار سيناريو تعدد اللوائح ذات الخلفية السنية، فإن خطر السقوط تحت الحاصل يبقى قائماً مهما ارتفع العدد الإجمالي للأصوات الفردية.
عكار تمثل نموذج الدائرة ذات التوازن الطائفي الحساس. الكتلة السنية وازنة لكنها غير كافية وحدها. حاصل واحد ممكن إذا توافرت ماكينة منظمة وتحالف عابر للطوائف. أما غياب التنسيق، فيمكن أن يؤدي إلى خسارة كاملة، لأن النسبية لا تعترف بالثقل غير المترجم تحالفياً.
في البقاع الغربي – راشيا، المعادلة أكثر دقة. الصوت السني مؤثر، لكنه يحتاج إلى شريك درزي أو مسيحي قادر على تأمين التوازن. الدخول المنفرد مجازفة عالية. مقعد واحد ممكن في حال تحالف مضبوط، وصفر إذا غلبت الحسابات الفردية.
في صيدا – جزين، العامل الاجتماعي يتقدم على العامل الحزبي. استعادة المقعد الصيداوي ممكنة نظرياً، لكنها تحتاج إلى إعادة ترميم العلاقة مع القاعدة التقليدية، وإدارة ذكية للتحالف في جزين.
إذا جمعنا هذه المعطيات ضمن نموذج حسابي محافظ، فإن السيناريو الأكثر واقعية في حال عودة منظمة لتيار المستقبل، بقيادة واضحة وتحالفات مدروسة وماكينة انتخابية فعالة، يراوح بين 6 و8 نواب. وإن تجاوز عتبة العشرة نواب يحتاج إلى تعبئة مرتفعة تتجاوز 50% داخل البيئة السنية وتشتت كبير في اللوائح المنافسة، وهو احتمال غير مضمون.
انتخابات 2026، إن حصلت، لن تكون استعادة لمشهد 2009، ولا حتى تكراراً لانتخابات 2018. ستكون اختباراً لقدرة تيار "المستقبل" على التحول من قوة تقليدية تقوم على الزعامة المركزية إلى بنية انتخابية حديثة تعمل بعقلية هندسية دقيقة. القاعدة الرقمية موجودة بلا شك، لكن تحويل الرقم إلى مقعد يحتاج أكثر من الحنين والعاطفة، يحتاج قراراً سياسياً واضحاً، وانضباطاً تنظيمياً صارماً، وفهماً بارداً لقواعد لعبة لا ترحم الكسور.