وحلّ 14 شباط جديد. نزل الشيخ سعد- من جديد- "على الساحة". قال ما قال. تُليت الفاتحة مرات ومرات على قبر الشهيد. رُفعت الأعلام الزرقاء. طارت المناطيد. حلقت الأحلام وها قد أصبحنا في 15 شباط. الوقت لا ينتظر أحداً. ها قد مضى على شهادة دولة الرئيس رفيق الحريري 21 عاماً. كأنها البارحة. وها قد مضى على إعتكاف دولة الرئيس سعد الحريري أربع سنوات. أربع مرات أتى ووعد وغادر. فهل تنفيذ "الوعود" أصبح ممكناً اليوم؟ رفيق الحريري، إبن الأرض، الفلاح الأرستقراطي الذي علّم وعمّر مات. فهل ما زالت ذريته صالحة، خصبة، لتُنتج من جديد؟
"ليبانون ديبايت" - نوال نصر
منذ ذاك الغروب الذي تلا ظهيرة الإغتيال ودخول سعد الحريري، الإبن الثاني للشهيد، إلى قصر قريطم، بدا أن كلّ شيء تغيّر. يوم الإستشهاد، ظهر الشاب (35 عاماً) مشوشاً، مرتبكاً، حائراً، مشتتاً. كانت العيون جاحظة نحوه أما عيناه فبدا فيهما ما يُشبه الفراغ. فليس سهلاً أن "يُقبع" امرؤ من مكانٍ ما ويُنقل إلى مكانٍ آخر ودم والده- الزعيم- ما زال على الأرض. و... وبدأت الحكاية. تقدمت أسماء: بهاء وسعد وبهية ونازك... إلى أن رست أخيراً- لا آخر- على سعد.
الشعب- يقال- أداة تعبير. وهو اختار سعد ممثلاً. هو قريب من القلب ووجهه يبدو صادقاً. السنّة- وغير السنّة- أحبوا ذلك فيه. لكن، كان حمل الإرث السياسي عليه كبيراً. والمقارنة بين الشيخين رفيق وسعد بدت منذ ذاك التاريخ الشباطي الأليم غير جائزة. فالأول، بحسب عارفيه، كان منفتحاً، في حين أن الثاني بدا، في أكثر من منعطف، متقوقعاً. لكن، هل المطلوب أن يكون الإبن نسخة طبق الأصل عن أبيه لتتحقق الوراثة السياسية؟
يتحدث أحد أصدقاء الشهيد بكثير من المهابة والوقار عنه، حتى بعد مرور 21 عاماً على رحيله، يقول: "عرف رفيق الحريري، الآتي من مشارب قومية عربية وبيت صيداوي متواضع، كيف يعقد الصداقات الغربية ويصبح الرقم الصعب. تحلى بقدرة إستيعاب قصوى. مارس الحكم تحت كل الظروف بلا إنفعالية، مكوناُ نهجاً سياسياً لا حريرية سياسية. زار ألمانيا، قابل هولموت كول. عرف جون مايجر. قابل رئيس وزراء اسبانيا. قابل رئيس المفوضية الأوروبية ورئيس وزراء النمسا وزار روسيا على أيام بوريس يلتسين وفلاديمير بوتين. عرف رئيس وزراء كندا وقابل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون ورؤساء البرازيل والأرجنتين وايران وباكستان. زار طهران أكثر من مرة أيام الرئيس محمد خاتمي. زار كوريا والصين مرتين واليابان ثلاث مرات... هذا الحضور الدولي القوي جعل اسمه في العالم مرادفا لاسم لبنان.
"إنه يعمل على "أسلمة" البلد". سمعناها كثيراً كثيراً. ظُلم الشهيد. لم يكن الرجل تقليدياً. هو لم يعدّ الأبناء ليدخلوا السياسة اللبنانية. لكن حصل ما حصل. ورث الشيخ سعد إرث الشهيد وكم قورن به. "مقارنة الورثاء بالمورثين من المسائل البشعة في لبناننا. الوريث إنسان آخر" يعلق صديق الشهيد. سعد ليس رفيق.
سعد سعد سعد... ناداه- أهل السنّة- البارحة كثيراً. مكبرات الصوت صدحت. "الله الحريري طريق الجديدة" سمعناها على وقع الثواني. الطائفة السنية تشعر باليتم. كل التطورات الأخيرة زادتهم شعوراً بهشاشة السنية السياسية. ووحده سعد، وجود سعد، قد يشعرهم بالأمان. حقهم. نواف سلام، دولة رئيس مجلس الوزراء يعرف قلق أهل السنّة في البلد، لكن أسلوبه مختلف. هو ليس زعيماً. هو سياسي أتى في أكثر مراحل البلاد حراجة. رأيناه يفكك لغماً فيعترضه آخر. رأيناه يغضب، يعاند، يتذمر، يعتكف، لكنه أبى أن يستقيل. هو مرن وصلب. ليّن وقاسي. وفي كل الحالات صادق. هو شعر مرات بالخذلان. هو ليس زعيماً. إنه سياسي، قانوني، قاضي، ديبلوماسي، رئيس محكمة العدل الدولية كان، وعليم أننا في بلادٍ كل شيء فيها "حمال اوجه". دهاليز السياسة لا تشبهه كما لم تكن تُشبه سعد يوم أتى في 14 شباط 2005. لكن، إسم الحريري كانت إلى محبي الشهيد كافية.
في مذكرات صائب سلام نقل ما قال له الرئيس المصري أنور السادات ذات يوم: إنتبهوا من السوريين (من آل الاسد بالتحديد). رفيق كان يعرف. سعد عرف. ونواف سلام يعرف. لكن، لكل واحد أسلوبه.
أغنيات تتابع الخروج من مكبرات الصوت: "بيروت عم تبكي مكسور خاطرها/ الحجار عمتحكي وينو اللي عمرها". إنها بصوت السني فضل شاكر. إنا في آخر أسبوع من شهر شعبان والمسلمون البارحة صلوا "اللهمّ اجعل كل دعوتنا القادمة حقيقية". إنهم يتمنون.
من كلِ الأقضية أصوات: قوموا يلا قولوا الله. تهافتوا تعبيراً عن رغبتهم العميقة بأن يعود إليهم "العزّ". رفيق الحريري كان "عزاً" إلى أهل الطائفة. وسط بيروت بات أزرق. وفود وصلت تحت المطر. هكذا كان الطقس يوم إستشهد الشيخ رفيق كان يوماً ممطراً. لكن الطقس اليوم شهد إنفراج فهل سيثلج حضور سعد قلوب المحبين؟ الناس تراهن في الأوقات الصعبة على كل شيء.
كلمة إلى سعد؟ سؤالٌ طرحناه على محبيه فأجابوا تكراراً: عاتبون عليه لكننا سنبقى اوفياء لنهج الرفيق.
نمشي في الأرجاء، في الرابع عشر من شباط 2026، وكأننا في 14 شباط 2025، و2024، و2023، و2022... نعم، نفس العبارات تتكرر: "نطالب الشيخ سعد ونلح عليه أن يبقى. نريده بيننا. لا بديل منه". الناس، ببساطة، يقولون كل شيء: نريد زعيماً. سعد الحريري أخطأ؟ إنهم يعرفون ذلك لكنهم يشعرون- نكرر- باليتم.
كل شيء يتغيّر. المنطقة كلها تغيرت. طار بشار. طارت أنظمة إعتبرناها سرمدية. العالم بأسره يتغير ووحدنا، في لبنان، ما نزال ننتظر الخلاص من زعيم إبن زعيم. وحدنا نستمر في العيش في البارحة. سعد الحريري إنسان فيه من سمات الصدق أكثر بكثير من خبث كثير من السياسيين لكنه أخطأ في أكثر من مطرح. هو اختار الإعتكاف، في حين كان والده رجل مواجهة. كان رفيق الحريري يعرف كيف يتلمس الألغام أمامه ويمشي، محاطاً بعقولٍ من عيار جوني عبدو وزاهي البستاني وبهيج طبارة وباسم السبع وفؤاد السنيورة وفريد مكاري وفضل شلق. سألنا الفضل شلق عن الحريرييّن الاب والإبن؟ فأجاب: "كان رفيق ودوداً لكن، لكن على عكس كل الإدعاءات، لم يكن عدد اللصيقين به يزيد عن أصابع اليدّ الواحدة. هناك أشخاص إدعوا أنهم مقربون منه. أنا عملت معه 25 عاماً ولم نجلس مرة واحدة اكثر من عشر دقائق متواصلة". ماذا عن الحريري الإبن؟ يجيب " زارني سعد بعد إغتيال والده ومعه كان مشروع برنامج حزب المستقبل. قرأته وقلت له: ما بيسوى. هذا يصلح لشركة إعلانات لا برنامجا حزبيا. هو برنامج قائم على الخصخصة وبيع أصول الدولة. إنه برنامج من صناعة شخص رأسمالي. والرأسماليون يُنشئون عادة أحزاباً لتخدمهم". شلق يميّز بين الأب والإبن. هذا رأيه. لكن لكلِ رجل أسلوبه ونظرته.
نصل إلى اللبّ؟ سعد الحريري اليوم في لبنان. الساعة تقترب من الواحدة إلا خمس دقائق. المركبات ما زالت تتقاطر من أقضية تعيش الحرمان وهي حاضنة تيار المستقبل. هؤلاء جمهور المستقبل. سياسيو المستقبل لهم رأي، في الغالب، آخر. هؤلاء يعتقدون أن إمكانية بقاء سعد الحريري شبه مستحيلة لأسباب تقنية لا سياسية. الجمهور اعتاد سخاء بيت الحريري وسعد "يده قصيرة". سيكون مقصراً.
المظلات زرقاء. "الشتي" مستمرّ. إسم أحمد الشرع (الرئيس السوري) تردد كثيراً. إنه القائد الآخر إلى الكثيرين. وأغنية "لبنان رح يرجع والشمس رح تطلع تزين سما بيروت" تزيد الناس حماسة. شبابٌ، كبيرهم لم يبلغ العشرين، يتجمهرون. هؤلاء سمعوا باسم رفيق ويعرفون سعد ويتوقعون أن لا شيء سيزيح عنهم حالة اليتم إلا هو. نسمع حماستهم آملين أن لا تخذل النهايات المبالغة في التوقعات.
القائد العظيم هو من يُلهم الناس ليثقوا بأنفسهم لا به وحده. الجماهير اللبنانية لا تزال فاقدة الثقة بقدرتها على إحداث التغيير والتجديد. القوات اللبنانية، الكتائب، الحزب التقدمي الإشتراكي، شاركوا. الوقت يمرّ. إنها الواحدة إلا ثلثاً. وصل الشيخ سعد. كم تغيّر شكلاً هذا الرجل. قرأ الفاتحة. قبّل رئيس الست بهية. لوّح للجمهور. لحظات حقاً مؤثرة. يستحقّ جمهوره عليه أن يعود أو يقول: لن أعود. فماذا سيقول؟ ماذا سيقول؟ ماذا سيُقرر إبن رفيق الحريري سعد في ذكرى إستشهاد والده الواحدة والعشرين؟ حان الوقت. تحدث ربع ساعة فقال: "أنا بفديكم... بعد 21 عاماً ما زلتم بعد كل الشائعات غير قليلين... أطمئنكم ان غداً افضل... المستقبل لن ينتهي... والمستقبل رح يكون صوتكم، ورح قلكم شو في يعمل، إذا في إنتخابات. باقون سوا". كلمات قليلة نفحت في "اليائسين" بعض النفس.
إنتهى موعد "14 شباط"... فهل يكون اللقاء المتجدد في 14 شباط 2027؟ هو وعد بالكثير- هذا إذا حصلت الإنتخابات. يعني وعد "لا معلق ولا مطلق".