"ليبانون ديبايت" - سمر يموت
يتقاطع زمن الصوم هذا العام في توقيته عند المسلمين والمسيحيين، فتتشابه الطقوس الروحية وتختلف الموائد، لكن الهمّ واحد: غلاء الأسعار. فمن ينتظر الإفطار على مأكولات رمضانية دسمة، ومن يستعدّ لفكّ صومه على أطباق صيامية بسيطة، يواجهان التحدّي نفسه في بلدٍ تتآكل فيه القدرة الشرائية يومًا بعد يوم. فحتى الأطباق التي كانت تُعدّ أساسية على موائد الصائمين، من فتوش وشوربة وحلويات، باتت تخضع لحسابات دقيقة، فيما تحوّلت اللحوم والدجاج والخضار والبقوليات إلى عبء ثقيل على كثير من العائلات.
ورغم إعلان وزارة الاقتصاد إطلاق مبادرة "سوا بالصيام" لخفض أسعار 21 سلعة غذائية أساسية في عدد من المتاجر، يبقى السؤال: هل يكفي ذلك فعلاً للتخفيف من عبءٍ يتجاوز مواسم الصوم إلى يوميات اللبنانيين؟
بين البسطات والسوبر ماركت
في جولة لـ "ليبانون ديبايت" على عدد من الأسواق الشعبية ومحال البقالة، بدت الحركة ناشطة ولافتة. نساءٌ يتنقّلن بين الرفوف والبسطات، يحملن لوائح شراء ويقارنّ الأسعار، محاولات تأمين خضار وبقوليات وأجبان تكفي لتحضير موائد إفطار تحافظ على تقاليد الشهر رغم ضيق الحال.
"أم علي"، أمّ لخمسة أولاد، تشتري خضارًا تكفي لأسبوع، لكنها اليوم باتت تحسب كل صنف بدقّة. تقول: "حتى صحن الفتوش صار يحتاج إلى ميزانية بحدّ ذاته. الخس والبندورة والخيار والحامض والحشائش، كلّها ارتفعت أسعارها".
وفي سوبرماركت مجاور، تضع "ماجدة" كيسين من العدس في العربة ثم تعيد أحدهما. تختصر معاناتها بالقول: "أحاول أن أوازن بين الكمية والسعر. أشتري أقلّ وأعوّض بطبق أبسط، لكن لا أحبّ أن يجلس أولادي إلى المائدة وهم يشتهون شيئًا لا أستطيع تأمينه".
أما في قسم اللحوم، فالمشهد أكثر قسوة. زبائن يقارنون الأسعار بين متجر وآخر، ورغم المنافسة تبقى مرتفعة لأصحاب الدخل المحدود. هذه وجهة نظر "أبو جاد: "لم أكن يوماً أبحث عن الأرخص، بل عن الأفضل، لكن اليوم ومع هذا الغلاء الفاحش وجشع التجار، صرت أقصد المحلات الأرخص، وأشتري بكميات مدروسة.
صار الحلو رفاهية!
في محال الحلويات، يبدو المشهد في أبهى حلّة. ينهمك أصحابها وموظفوها في التحضير للموسم، حيث بدأت عربات القطايف والكلاج تحتلّ واجهات المحال وأمامها إيذانًا بقرب حلول الشهر الفضيل. لكن خلف هذا المشهد، يخشى أصحاب المحال تراجع المبيعات هذا العام، لأن العديد من الزبائن يسألون فقط عن الأسعار. أبو شادي" مثالٌ على ذلك، يدخل ليسأل عن أسعار القطايف والشعيبيات والمفروكة، ثم يعلّق: "هالسنة رح نخفّف الكميّة… صار الحلو رفاهية"، جملة تختصر حال كثيرين في موسم يفترض أن يكون موسم فرح.
تقشّف قسري
لا يختلف المشهد كثيرًا بين موائد المسلمين والمسيحيين في لبنان، فالصوم، على اختلاف طقوسه وتفاصيله، يصطدم بالواقع المعيشي نفسه.. ها هي "سميرة" وهي أمّ لثلاثة أولاد، تقف أمام بائع الخضار تختار ما تحتاجه بحذر. تقول:"الصوم الكبير عندنا يعتمد أساسًا على الخضار والبقوليات، لكن المفارقة أن هذه الأصناف ارتفعت أسعارها بشكل كبير. العدس والحمص والفاصولياء كانت البديل الأرخص عن اللحوم، اليوم لم تعد كذلك. نحاول أن نلتزم بالصوم، لكننا نعدّل في الكميات".
يدخل "فادي"، وهو أب لطفلين الى الحديث ليضيف:" المشكلة ليست فقط في الصوم، بل في أنّ الدخل لم يتغيّر فيما الأسعار ترتفع باستمرار. ورغم خطة وزارة الاقتصاد بتخفيض بعض السلع، إلّا أنّ ذلك لا ينعكس فعليًا على قدرتنا الشرائية. الصوم مفترض به أن يكون زمن تقشّف روحي، لا تقشّف قسري بسبب الغلاء".