في لحظات مفصلية من تاريخ لبنان، تبرز شخصيات عاشت بصمت لكن أثرها يتخطّى الزمن، لتتحوّل سيرتها إلى علامة رجاء وإيمان. من هذا المعنى العميق، يأتي تطويب الأب بشارة أبو مراد، الراهب الباسيلي المخلّصي، كحدث روحي يتجاوز الإطار الكنسي ليطال وجدان اللبنانيين عمومًا. فهو تطويب لقداسة نمت في قلب المجتمع، وفي حياة صلاة وخدمة وتواضع، ووجدت صداها اليوم في اعتراف الكنيسة الرسمي بأعجوبة شفاعة راهب لبناني عاش للإنسان والله معًا.
في هذا السياق، صادق قداسة البابا لاوون الرابع عشر على قرار مجمع الكرادلة، الذي وافق بدوره على نتائج أعمال اللجنة الطبية واللجنة اللاهوتية في ما يخصّ الأعجوبة المنسوبة إلى شفاعة الأب المكرّم بشارة أبو مراد، الراهب الباسيلي المخلّصي، ما مهّد الطريق لرفعه طوباويًا على مذابح الكنيسة.
الأعجوبة… شفاء يفوق التفسير الطبي
الملف الذي حُسم في الفاتيكان استند إلى أعجوبة وُصفت بالفائقة الطبيعة، بعدما أجمعت لجنة الأطباء، المؤلّفة من سبعة أعضاء، على صحة شفاء امرأة تسعينية من بلدة عبرا، شرقي صيدا، كانت تعاني من شلل ناجم عن التهاب مفاصل الرجلين (الأرتروز)، وهو مرض لا علاج شافيًا له بحسب الطب. وقد أقعدها هذا المرض لفترة طويلة، قبل أن تستعيد قدرتها على المشي فجأة ودفعة واحدة، إثر طلب شفاعة الأب بشارة أبو مراد والصلاة له. هذا الشفاء غير القابل للتفسير العلمي شكّل العلامة الحاسمة في مسار التطويب.
راهب من جنوب لبنان… سيرة صلاة وخدمة
وُلد الأب بشارة أبو مراد في أواخر القرن التاسع عشر في جنوب لبنان، في بيئة إيمانية محافظة غرست فيه منذ الصغر محبة الصلاة وروح الخدمة.
وفي شبابه، التحق بالرهبانية الباسيلية المخلّصية التابعة لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، حيث نذر حياته للفقر والطاعة والعفة، وسلك درب الرهبنة بتواضع وابتعاد عن الأضواء.
عرفه من عاصروه رجل صلاة وتأمل، جمع بين النسكية العميقة والخدمة اليومية للناس، ولا سيما الفقراء والمرضى والمحتاجين. لم يكن راهبًا منغلقًا على ذاته، بل كاهنًا قريبًا من أبناء رعيته، يتميّز بروح المصالحة والعمل الرعوي الهادئ، ومرشدًا روحيًا لكثيرين وجدوا فيه مثالًا للإيمان الصامت والمتجذّر.
تنقّل الأب بشارة بين عدد من الأديرة والرعايا، حيث عُرف بغيرته الرسولية وحرصه على التربية الدينية ونشر التعليم، مساهمًا في تعزيز الدور الروحي والاجتماعي للرهبانيات اللبنانية في محيطها. وقد ترك وراءه إرثًا من الشهادات الحية عن تواضعه وتقواه ومحبة الإنسان، ما جعل ذكراه حاضرة بقوة في وجدان المؤمنين حتى بعد سنوات طويلة على انتقاله.
من "مكرّم" إلى طوباوي
كما ان دعوى تطويب الأب بشارة أبو مراد فُتحت رسميًا عام 1982، ووصل ملفها إلى الدوائر الفاتيكانية عام 2006، حيث بدأ البحث في بطولة فضائله. وفي عام 2010 أُعلن "مكرّمًا"، في خطوة مفصلية على طريق التطويب. أما الأعجوبة التي حُسمت مؤخرًا، فقد أعادت الملف إلى الواجهة بقوة، بعدما استكملت التحقيقات والوثائق الطبية واللاهوتية التي اعترفت بها الدوائر الفاتيكانية بالإجماع.
مراحل التطويب والتقديس… المسار الكنسي الكامل
ومع انتهاء هذه المرحلة، تبدأ الكنيسة دراسة صحة كتابات الأب بشارة وعظاته وأقواله، قبل صدور براءة التطويب عن مجمع دعاوى القديسين، ومن ثم موافقة البابا النهائية، وهي الخطوة التي أُنجزت اليوم.
وعند إعلان التقديس، يُسمح بتكريم القدّيس على مذابح الكنيسة الكاثوليكية الجامعة في مختلف أنحاء العالم، في حين يقتصر تكريم الطوباوي على بلده وكنيسته المحلية.
في زمن الأزمات، يحمل تطويب الأب بشارة أبو مراد رسالة رجاء عميقة، تؤكّد أن الإيمان المتواضع والصامت قادر على صنع أثر يتجاوز الزمن، وأن القداسة تنبت من الأرض، ومن حياة أُعطيت بالكامل لله وخدمة الإنسان.