يشهد الجنوب والبقاع في الأيام الأخيرة تصعيدًا إسرائيليًا لافتًا، مع توسّع دائرة الضربات لتشمل مواقع، تقول إسرائيل إنها تابعة لـ "حزب الله"، وآخرها المجزرة التي استهدفت، مناطق في البقاع ومحيط عين الحلوة، وأسفرت عن سقوط أكثر من عشرة قتلى و24 جريحًا في البقاع. وتبدو هذه الضربات، من حيث التوقيت والأسلوب، امتدادًا لسياسة إسرائيل القائمة على العمليات الاستباقية داخل العمق اللبناني، بذريعة إحباط تهديدات وشيكة قبل تنفيذها.
وبحسب إسرائيل، تهدف هذه العمليات إلى منع الحزب من تطوير قدراته الصاروخية أو استخدامها، فيما يرى مراقبون أنها تحمل أيضًا رسائل تتجاوز البعد الميداني إلى اختبار قواعد الاشتباك وتوسيع هامش الحركة العسكرية. وفي ظلّ هذه التطورات، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن اعتبار هذا النوع من الضربات بمثابة "إنذار مسبق" للحزب لمنعه من الانخراط في أي صراع إقليمي واسع؟ وهل تقود هذه الرسائل العسكرية المتبادلة إلى انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة؟
لمقاربة هذه التساؤلات، يُقدّم الخبير العسكري العميد المتقاعد سعيد القزح، قراءة في خلفيات الاعتداء الأخير ودلالاته العسكرية والاستراتيجية وحدود فعالية سياسة الردع الإسرائيلية تجاه حزب الله. فبرأيه، "لا جديد فيما أقدمت عليه إسرائيل بقصفها ما أسمته اجتماعًا لقيادات ميدانية في حزب الله، سوى العدد الكبير من الضحايا والمصابين من المدنيين. فإسرائيل تلاحق أي خطر يهدّد أمنها، من وجهة نظرها، وتعمد إلى التخلص منه، حتى لو أدى ذلك إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين الذين تعتبرهم أضرارًا جانبية. ولقد رأينا خلال حرب غزة أنها من أجل قتل قيادي في "حماس" دمّرت حيًّا كاملًا، ما أدى إلى سقوط 400 ضحية".
لا تستعمل إسرائيل، بحسب القزح، أسلوب رسائل الردع مع حزب الله، "لأنها تعرف أنه لن يرتدع عن القيام بما ستكلّفه به إيران، خاصة إذا كان مصير النظام الإيراني على المحك، وهي تعرف أكثر من غيرها أنّ حزب الله مستعد للتضحية بشبابه ومجتمعه والقرى والمدن، التي له فيها أكبر نسبة تأييد في لبنان، من أجل تنفيذ أوامر وليّ أمره، على ما قال الشيخ نعيم قاسم".
ومن وجهة نظر العميد المتقاعد، "ما قامت به إسرائيل في البقاع كان عملًا مزدوجًا، حسب زعمها، باستهداف منصة إطلاق صواريخ باليستية في منطقة الشعرة، وقصف عناصر من الوحدة الصاروخية خلال اجتماعهم، وذلك بضربة استباقية لمنعهم من تنفيذ الهجوم الذي كانوا يخططون له. وما ذكرته سابقًا، يؤكد أن استراتيجية "الإنذار المسبق" أو "التحذير" من التدخل في الحرب القادمة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى لا تنفع مع حزب الله، فهو سيذهب إلى تنفيذ الأوامر الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني، حتى لو كلّفه ذلك آلاف الضحايا والدمار والتهجير".
صحيح، إنها المرة الأولى التي تستعمل فيها إسرائيل سلاح البحرية بقصف البقاع. "وهي أولًا رسالة، بأن لديها أسلحة ووسائل كافية للتعامل مع الخطر الذي قد يشكله حزب الله عليها، في حال انشغال سلاح الجو بالدفاع عنها. وثانيًا، القيام بتجربة عملية للقدرات الصاروخية التي تستعملها الفرقاطات البحرية الإسرائيلية من نوع ساعر 6، والتي تعتبر من أحدث السفن الحربية"، يختم القزح، في حديثه لـ "ليبانون ديبايت".
هكذا، بين منطق الضربات الاستباقية وسقف الرسائل السياسية، يبقى لبنان ساحة مفتوحة على احتمالات خطِرة، في ظل عجز الردع المتبادل عن ضبط إيقاع المواجهة. ومع استمرار ارتباط قرار الحرب بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، يبدو أن التصعيد الحالي، ليس سوى فصل جديد من صراع أكبر، تُدفع كلفته على الأرض اللبنانية من دم المدنيين واستقرار البلاد.