Beirut
26°
|
Homepage
مَن منكم ليس عميلًا أيّها الحاقدون ومطلقو المذمّات في التخوين؟
يوسف ي. الخوري | السبت 21 أيلول 2019

"ليبانون ديبايت" - يوسف ي. الخوري، استاذ جامعي ومخرج سينمائي

في اجتماع لأعضاء الجبهة اللبنانية سليمان فرنجية وكميل شمعون وبيار الجميّل بالرئيس السوري حافظ الأسد، دار الحوار التالي حول تعامل الرائد سعد حدّاد مع الإسرائيليين:

- الرئيس الأسد: يجب وَضْع حدّ لظاهرة سعد حدّاد والتعامل مع إسرائيل، عيب يا جماعة نحن في النهاية عرب!


- بيار الجميّل: (بانفعاله المعروف) C’est un traître, il faut le tuer! (إنه خائن ، يجب قتله!)

هنا زمجر الرئيس فرنجية زمجرته المعهودة إيحاءً إلى عدم رضاه عمّا قاله الجميّل، ثم توجّه بالكلام إلى الرئيس الأسد: سيادة الرئيس.. لو كنت أنا في الموقع الذي وُضِع فيه سعد حدّاد، لفعلت نفس الشيء مثله من دون أيّ تردّد!
(انتهى الكلام عن الاجتماع)

إن عبارة "الموقع الذي وُضِع فيه سعد حدّاد" هي العبارة السحرية التي تحسم السجالات بشأن "عمالة" عامر الفاخوري أو أي جندي سابق في جيش لبنان الحر أو الجنوبي فيما بعد.

في العام 1960 تمكّنت مجموعة من جهاز الموساد الإسرائيلي من اعتقال النازي Adolf Eichmann أحد المتورّطين في عملية الإبادة الجماعية التي تعرّض لها اليهود إبّان الحرب العالمية الثانية، وأحضروه من الأرجنتين إلى إسرائيل لمحاكمته. صحيفة The NewYorker الأميركية انتدبت الكاتبة والفيلسوفة الهوديّة من أصل ألماني Hannah Arendt لتغطية وقائع المحاكمة التي انتهت بشنق Eichmann. اختيار Arendt لم يكن بريئًا إذ كان يُراهن على يهوديّتها لتسويق ودعم قانونيّة المحكمة والحكم الذي سيصدر عنها، إلا أن تقرير Arendt النهائي تحت عنوان "Eichmann in Jerusalem" شكّل مفاجأة بمثابة صفعة للموساد وللقضاة ولإدارة الصحيفة التي انتدبتها، كما للّوبي اليهودي العالمي، فـ Arendt لم تجد Eichmann مذنبًا كما لم تجد أنّه يحمل أي كراهية تجاه الذين اعتقلوه ويحاكموه، رافعةً عنه كل مسؤولية في قضيّة محرقة اليهود إذ اعتبرت أنّه ببساطة يمارس وظيفته. (صفحة 135 من التقرير)

لم تُطلق الفيلسوفة Arendt حكمها عشوائيًّا – وهنا الكلام موجّه لكل من يُطلق الأحكام جزافًا على وسائل التواصل -، بل دعّمته بدراسات معمّقة مرتكزة على علوم النفس والاجتماع والإنسان كما وعلى مشاهداتها الميدانية، حتى أضحى تقريرها المرجع الأهم في علم السياسة خلال القرن العشرين. باختصار اعتبرت Arendt أن Eichmann لم يكن "سيد أفعاله" في أعمال إبادة اليهود لأنّه كان عاجزًا عن تغيير شيء، حتى أنّها دعّمت زعمها الأخير بالقول بإن معظم الذين يعيشون ضمن نظام شمولي (totalitarianism) كنظام Hitler يتأثّرون ويمتثلون لأحكام هذا النظام معتقدين أن هذا هو الصح. ولم تتأخّر Arendt عن دراسة تاريخ Eichmann الذي هو عبارة عن كونه تابعًا دومًا في أكثر من منظّمة وحركة قبل انتمائه كتابع أيضًا إلى النازية، لتقول "إن الرجل لم يكن يومًا سيد نفسه". ولم تترد من انتقاد سلوك "الغيتّو" اليهودي الذي يُديره أصحاب المصالح، وهو الأمر الذي لم يثنِها عن القول بإن "اليهود هم مَن قتلوا أنفسهم"...

لنعُدِ الآن إلى عامر الفاخوري ونُطلق محاكمته – على افتراض أن ذلك من حقّنا – طارحين بعض الأسئلة على غرار Hannah Arendt كي نكون موضوعيّين قبل اتهامه بأنّه "عميل". ما هي الظروف التي أوصلت الفاخوري إلى جيش لبنان الجنوبي؟ ما هي الأجواء التي كان خاضعًا لها؟ هل كان سيّد قراره أم متلقٍّ للأوامر؟ هل شخصيّته سليمة أم مضطربة؟ والمحكمة التي حكمته عام 1998، تحت أي ظرف كانت تمارس عدالتها؟...

إن الإجابة على هذه الأسئلة تستدعي العودة إلى تواريخ قريبة وموثّقة ولو أن البعض يتجاهلها أو يُنكرها.

عامر الفاخوري عمره اليوم 56 سنة، ما يعني أنّه لمّا تأسس جيش لبنان الحر في العام 76 كان عمره 15 سنة، ما يؤكّد أن انضمامه لاحقًا إلى هذا الجيش هو وليد أجواء وظروف عايشها في تلك الحقبة. فما هي ظروف نشأة هذا الجيش والأجواء التي رافقته بين العامين 76 و 2000؟

في كانون الثاني من العام 76 انشق أحمد الخطيب عن الجيش اللبناني من ثكنة مرجعيون وشكّل "جيش لبنان العربي" الداعم للفلسطينيين، ثمّ راح يهاجم ثكنات الجيش في الجنوب، ما شتت أفرادها ودفعهم إلى الفرار والاحتماء في القرى المجاورة، ومن بعدها ساهموا بمؤازرة الأهالي في الدفاع عن بعض القرى التي آثرت عدم الاستسلام كالقليعة ورميش وغيرهما.

جيش لبنان العربي ومنظمة التحرير والصاعقة أمعنوا في انتهاك حرمات القرى الجنوبية وتجويعها وارتكاب المجازر بحق أهاليها العزل واغتصاب نسائها وذبح أطفالها وشيبها كما حصل في العيشية والخيام.

في آذار 76 أمر قائد الجيش اللبناني حنا سعيد بإعادة تشكيل عناصر الجيش التي أخلت ثكنات الجنوب ضمن تجمّع عسكري في قضاء بنت جبيل، وقد كلّف بالمهمّة الرقيب أول مغوار سمير الحاج يعاونه الرقيب أول حنا الحاج، على أن يتبع التجمّع المُستحدث منطقة القليعة بقيادة الرائد سعد حدّاد. (أنظر أدناه مذكّرة الخدمة الصادرة عن قيادة الجيش)

من بلونة كسروان وبالتحديد من منزل الرئيس كامل الأسعد انطلق سعد حدّاد لحماية القرى الجنوبية، وقد كلّفه يومها الرئيس الأسعد تأمين 11 ألف قطعة سلاح لأعوانه من الشيعة للدفاع عن أنفسهم.

كان العسكريون التابعون لتجمّع القليعة – بنت جبيل يتقاضون رواتبهم من الدولة اللبنانية.

حقق هذا التجمّع سيطرة ميدانية على مختلف مناطق الجنوب، لكنّه وقع تحت حصار مُحكم من قوى جيش لبنان العربي والفلسطينيين بحيث لم يبقى أمامه سوى بوابة إسرائيل تفاديًّا للأزمات المعيشيّة والاقتصاديّة، فسمح لهم الرئيس فرنجية باللجوء الى الدولة العبرية لتأمين ما يلزم للحفاظ على السكان من الموت والمجاعة وانتشار الامراض، شرط ألا يكون ذلك على حساب السيادة اللبنانية.

بقيت علاقة تجمّع القليعة – بنت جبيل منتظمة مع الدولة اللبنانية لغاية الاجتياح الإسرائيلي في العام 1978. ففي 1-1-1979 جمّدت حكومة سليم الحص رواتب هذا التجمّع وجرّدت الرائد حدّاد من رتبه وأوسمته، ما حدا بالرئيس الياس سركيس إلى القول في خطاب رأس السنة، "إننا بعملية قطع الرواتب تلك أهدينا إسرائيل 500 من خيرة جنودنا"، ملمّحًا بذلك إلى عدم رضاه عن القرار الأخير الذي قد يكون بإيعاز من جهّة خارجية نافذة.

جاءت ردّة فعل سعد حدّاد على تخلّي دولته عنه بإعلان "دولة لبنان الحر" التي جبرًا ستكون متحالفة مع إسرائيل كي تستمر.

استمرت القطيعة بين الدولة اللبنانية وسعد حدّاد حوالي ثلاث سنوات ونيّف، لتعود بعدها العلاقة إلى سابق عهدها وتحتضن قيادة الجيش عسكرها الجنوبي وتُعيّن العقيد سمير أيوب قائدا لتجمّع القليعة - بنت جبيل من ثكنة صربا حيث اهتمّ النقيب عدنان الحمصي، وهو أحد ضباط تجمع القليعة سابقا، بتسيير الاعمال الادارية للتجمّع بمعاونة جهاز إداري خاص.

في 4 كانون الثاني 1984 ربح الرائد سعد حداد الدعوى القضائية التي أقامها ضد الحكومة اللبنانية واستعاد جميع حقوقه وأوسمته ورتبته العسكرية. بعد ذلك بأسبوع تُوفي جرّاء مرضَ عُضال.

كان على الدولة اللبنانية وقيادة الجيش تعيين بديل عن حدّاد، لكنّها كانت حذرة نظرًا لعودة النفوذ السوري بعد تراجع الإسرائيليين من منطقة بيروت. ولعدم توريط أي ضابط في السلك، وقع الخيار على الضابط المتقاعد أنطوان لحد بإيعاز ودعم من الرئيس كميل شمعون، ولحد كان يسكن في المنطقة الشرقيّة ولم تكن له أيّ صلة بالجنوبي قبل تعيينه.

بعد سقوط شرعيّة العماد ميشال عون في تشرين الأول 1990 وإحكام السوريين سيطرتهم في لبنان، بقي "جيش لبنان الجنوبي" (التسمية تبدلت بعد استلام لحد) على مواقفه المعادية لسوريا، وانتقل مئات المقاتلين المسيحيين من أصحاب نفس التوجّه إلى المنطقة الحدودية كعناصر من حزب حرّاس الأرز بقيادة أبو أرز صاحب شعار "لبنان أولًا" الذي تبنّته قوى 14 آذار لاحقًا، ولسخرية القدر ضمّت هذه القوى في صفوفها أحمد الخطيب بينما أبو أرز لا يزال مُبعدًا عن لبنان بموجب أحكام غيابيّة صدرت بحقّه أبان زمن الوصاية السوريّة على البلد.

ظلّ أنطوان لحد على تواصل مع الشرعيّة اللبنانية بعد اتفاق الطائف، لاسيّما خلال عهد الرئيس الياس الهراوي الذي كان صديقًا لأنطوان لحد منذ سبعينيّات القرن الماضي، وكانت تأتيه التوجيهات دومًا بالتريث حتى يحين الوقت لحل مشكلة العسكريّين الجنوبيّين.

استمرّت قيادة الجيش اللبناني في دفع رواتب عناصر الجنوبي التابعين لها من العام 1976 وحتى العام 2000 باستثناء الفترة بين العامين 1979 و1982.

قبيل انسحاب عناصر وعائلات الجنوبي إلى إسرائيل، وجّه أنطوان لحد كتابًا مفتوحًّا للرئيس إميل لحود عارضًا فيه أن يشمل العفو عن فترة الحرب الصادر عام 1991 هذه العناصر ليعودوا إلى كنف شرعيتهم، وعرض ألا يشمله شخصيًّا هذا العفو إذا كان لا بدّ من ثمن لهذه الخطوة، لكنّ الكتاب بقي من دون جواب، ما شكّل إعلانًا لرفض الدولة اللبنانية لهم، ولم يعد أمامهم سوى بوابة الدولة العبريّة للرحيل.

بعد هذا العرض الوجيز المسبوق بنظريّات Hannah Arendt التي تبني لإطلاق أحكام دقيقة على الأفراد، نقول إنّه ليس بالإمكان إثبات عمالة عامر الفاخوري إلّا بمنهجيّة مبنيّة على نظريات Arendt، وهو الأمر الذي ينطبق أيضًا على اتهام الفاخوري بأنّه مجرم حرب. فبما يخصّ العمالة نعتقد – وهذا متروك في النهاية للقضاء – أنّ الفاخوري سقطت عنه كل التهم بالقانون، أما أن يكون بالفعل مجرم حرب فهذا يقضي بفتح المحاكمات والبحث قبل كل شيء عن الأسباب التي وضعته في هكذا سلوك، إضافة إلى تحليل شخصيّته واستكشاف دوافعه الحقيقية. أولا يكفي كلام السيّد حسن نصرالله بالأمس عن التمييز بين المتعاملين مع العدو والمتعاملين المجرمين، ليتريّث الحاقدون وموزّعو الشهادات في الوطنيّة والمذمّات في التخوين قبل اطلاق أحكامهم!!؟
الاكثر قراءة
سعر الدولار مقابل الليرة اللبنانية 9 ظهور الحقيقة في قضية قتل المخطوف اسكندر 5 الغريب لم يعد إلى منزله! 1
نهاية "مؤلمة" لمخطوفٍ لبناني... وجد مقتولًا في النبطية 10 إعلان موعد بدء فرض الرسم على "واتساب" 6 موقف حزب الله من الرسوم على "واتساب" 2
الرواية الكاملة منذ اختفاء بسّام اسكندر حتى قَتلهِ 11 السجن لشقيقة أمل علم الدين! 7 بالدليل القاطع... هناك من افتعل حرائق لبنان 3
سجال بين بوصعب وأبو سليمان 12 تفاصيل أمنية جديدة حول جريمة قتل بسام اسكندر 8 ما هو أخطر من رسم "واتساب"... والحلّ بيد اللبنانيين! 4
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر