Beirut
22°
|
Homepage
طلاق بين بوصعب واليرزة
عبدالله قمح | الاثنين 04 تشرين الثاني 2019

"ليبانون ديبايت" - عبدالله قمح

باتَ من المسلَّم به، وجود "عدوى" تُصيب كلّ وزير دفاعٍ تطأ قدَميْه أرض اليرزة. البعض يصطلح رمي السبب على "الكيمياء المفقودة"، وغيابها يحمل ويلات الأزمات المُتولِّدة. في الحقيقةِ، هي أعراضٌ تلازم تقريبًا مختلف وزراء الدفاع الذين تناوبوا على أداءِ المهمّةِ في عقرِ دارِ الجيش طيلة فترةِ ولايتهم.

على الرّغم من قربِ المسافاتِ الجغرافيّة بين مبنَيَيْ وزارة الدفاع وقيادة الجيش، لكن هوّة "نفسيّة" عميقة تفصِل بين الجانبَيْن، ليس لأسبابٍ شخصيّةٍ تعود إلى تركيبةِ الجيناتِ، بل أنّ الفضلَ في ذلك يعود إلى تضاربِ الصلاحيّات بين الجهتَيْن، التي يبدو غالبًا، أن ليسَ بمقدورِ أحدٍ إيجادِ الترياق الشافي لتفسيرِ هذه المعضلة.


إذًا القصّة قصّة صلاحيات، بين مدنيّ وعسكريّ. مدنيٌّ، يريد تصريف صلاحيّاته على نحوٍ ينطلق به من منظورٍ مدنيٍّ، وعسكريٌّ يريد تكريس الطابعِ العسكريِّ لمؤسَّسةٍ يُفترَض أن تضمَّ أهل الاختصاصِ، على أن تبقي العلاقة مع "الوزارة" "سمن على عسل" الجانب المُخصَّص للوزيرِ المدنيِّ، مع التزامِ صلاحيّاته واحترامها من دون المسّ بصلاحياتِ غيرهِ.

والمشكلةُ بين الطقمَيْن المدني والعسكري ليست وليدة السّاعةِ. هي طبعت عهود شتّى انواع وزراء الدفاع، منذ الطائف وحتى اليوم، وقلَّ ما خرجَ وزراء دفاع من مكاتب اليرزة وهم على وئامٍ مع قيادة الجيش!

وحديثًا، غلبَ ظنٌّ لدى فريق وازن في البلد، من أنّ تركيبةَ العهدِ الحالية، لها القدرة على إزالة المفاعيل السلبيّة المُتراكِمة بين "الموقِعَيْن"، والناتِجة عن سوءِ العلاقة "الوظائفيّة" التي تطبع عادةً وزارة الدفاع بقيادة الجيش، وذلك من بوابةِ تسمية وزيرٍ محسوبٍ مباشرةً على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، هو الوزير الياس بو صعب. وعلى الارجحِ، أنّ هذا الحقن الجيني قد يساعد في ظلّ وجودِ قائدٍ للجيش سمَّاه الرئيس عون شخصيًّا أيضًا.

لكن الرياح سارت بما لا تشتهي السفن. سريعًا، أصيبَ وزير الدفاع بـ"متلازمة اليرزة" الدّائمة، وبدأت الاحتكاكات بالخروجِ إلى السطحِ، والعنوان الدّائم "الخلاف على حدودِ الصلاحيّاتِ وتفسيراتها" مع دخولِ عاملٍ إضافيٍّ، هو الخشية من أدوارٍ سياسيّةٍ يتهم قائدِ الجيش بالضلوع فيها.

ثم أنّ بعض المُخلّين في الآداب العامة، يدخلون من هنا وهناك بهدفِ زرعِ الشكوكِ وإثارة الغرائزِ، ناثرين غبارًا، ذات إمتداداتٍ سياسيّةٍ، يؤسِّس إلى احتجابِ العلاقةِ المُستَتِبة بين الجانبَيْن، على الرغمِ من النفي الرسمي الدائم للجيش حول وجودِ "رغباتٍ سياسيّةٍ" لدى قيادته.

خلال الفترة الماضية، أصرَّ وزير الدفاع الياس بو صعب على رفضِ توقيعِ بريد الجيش اللبناني. الحجّة كانت بـ"تأخّر قيادة الجيش في تقديمِ مشروعِ المراسيم التطبيقيّة لقانون الدفاع" الذي يسعى الوزير إلى تقديمه كأحدِ إنجازاته التي لم يسبقه إليها أحد من نظرائه الضيوف في حمى "البزات المرقطة".

وقبل أن تحلَّ "أزمة التوقيع" التي سبحت تأثيراتها السلبيّة في سماءِ اليرزة، حطَّت فورة الغضبِ الشعبيّة في السّاحاتِ لتنقل الجيش ووزير الدفاع إلى موقعَيْن متقابلَيْن أقرب إلى المواجهة والتموضع بمكانَيْن مختلفَيْن.

الموضوعُ غير قائمٍ على اختلافٍ في النظرةِ إلى الاحتجاجاتِ، بل يتّصل بذهاب الوزير الياس بو صعب صوب النأي بنفسه عن مساندةِ الجيش، وهي مهمّته الاولى، بل اكتفى بمشاهدةِ المؤسّسة العسكرية وهي تتلقى السهام وحيدةً بفعلِ الأحداث الأخيرة.

وما زاد الطين بلّة، تعاظم شكوك لدى معنيين حول تورّطه بمشروعِ إستهدافِ قيادة الجيش لأغراضٍ ذات طابعٍ سياسيٍّ.

يُؤخَذ على الوزير بو صعب تلافيه التوجّه خلال فترة سريان مفعول الازمة في الشارعِ إلى مكتبهِ في وزارة الدفاع واللوذ إليه والانكباب على الإطلاع من الجيش على ما يجري ويحدث في الشارعِ وتعاونهما سويًا، وهو فعلٌ يقع في عمقِ واجباتِ الوزير، لكنّ المشكلة، أنّ بو صعب فضَّل المكوث إلى جانبِ الوزير باسيل في قصر بعبدا والابتعاد كليًّا عن الاستماعِ إلى رأي القيادة العسكرية.

هذا اسقطَ على طريقةِ تعاطيهِ مع الأحداثِ الاخيرةِ. فحينما كان الجيش مُنكبًا على دراسةِ كيفيّةِ تعاطيه مع الازمةِ في الشارعِ، كان بو صعب يقود حملات داخليّة للتصويبِ على أداءِ قيادة الجيش، عبر حضوره داخل التيّار أو من خلال أثير إذاعة "صوت المدى". وفي مكانٍ آخر، كان يتهم "بو صعب" بأنه ينكب على محاولات ايجاد فسحات تنسيق مع ضباطٍ من خارج طريق القيادة، وهو ما أثار حساسيّة "اليرزة" التي اعتبرَت أنّ هناك "موظفًا يتعدّى على هيكليّتها".

على هذا النحو، حوَّل بو صعب نفسه إلى خصمٍ لقيادةِ الجيش بدل أن يكون أقلّه حكمًا، وهو سببٌ صريحٌ أدّى إلى حصولِ "طلاقٍ بين الجانبَيْن" ونموّ مشاعر "افتراق" من قبل الجانبَيْن.

صحيحٌ، أنّ الحكومة استقالت اليوم وبات الوزراء في خانة تصريفِ الأعمال، لكن حين تبدأ مباحثات الحكومة الجديدة، سيكشف فريق "الوطني الحر" عن ثابِتَتَيْن. الابقاء على وجودِ رئيسه جبران باسيل وشريكه الأول، الياس بو صعب.

على حد علمنا أن الأولى مقدور على تمريرها بحكم علاقات "المصلحة السياسية" التي تربط الأطراف ببعضهم، لكن مصير عبور الثانية يكتنفه الغموض، وعلى الأرجح أنه سيكون متعذراً حدوث ذلك على حواجز "اليرزة" تحديداً.
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر