من بنما 1989 إلى فنزويلا اليوم
وبهذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي توفيق شومان في حديث إلى «ليبانون ديبايت» إن الأمور كانت تتجه نحو تكرار ما حدث في بنما عام 1989، والذي على أساسه جرى اعتقال الرئيس مانويل أنطونيو نورييغا، حيث خضع للمحاكمة في الولايات المتحدة الأميركية.
ويظن أن هذا المسار أخذ المنحى ذاته في فنزويلا اليوم، وأن الأمور كانت واضحة بأنه لن يكون هناك مستقبل لنيكولاس مادورو، مع الإشارة أيضاً إلى أنه قد يكون ثمة تخلي الرئيس الفنزويلي عن السلطة مقابل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
مقايضات دولية محتملة
وبالتالي، يتحدث شومان عن نوع من المقايضة مع الروس، أي تسوية هنا وتسوية هناك. ومع ذلك، فإن الأمور في أوكرانيا ما زالت معقّدة حتى بعد مرور أشهر، لكن من المؤكد أنه لا مستقبل لزيلينسكي في أوكرانيا، لأن القاعدة الأساسية لأي اتفاق تفرض الوصول إلى حدٍّ معقول من التواصل، وربما إبعاده عن السلطة التنفيذية والدعوة إلى انتخابات جديدة.
وبالعودة إلى فنزويلا، يلفت إلى أن سير الأمور كان واضحاً بأي اتجاه ستذهب، مشيراً إلى مبدأ أمني راسخ لدى الولايات المتحدة الأميركية يعود إلى عام 1823، ومفاده أن القارة الأميركية بأكملها، شمالها ووسطها وجنوبها، تُعدّ بمثابة الفناء الخلفي للولايات المتحدة. وبناءً على هذا المبدأ، فإن أي نظام حكم في هذه الدول يتعارض مع السياسات الأميركية لا يُسمح له بالاستمرار، ويصعب عليه البقاء.
ومن هذا المنطلق، يذكر بأن الولايات المتحدة الأميركية شاركت في العديد من الانقلابات التي حدثت في أميركا اللاتينية. ففي تشيلي، على سبيل المثال، كان هناك حكم ديمقراطي، وقد فاز سلفادور أليندي في الانتخابات عام 1970 عبر اقتراع ديمقراطي كامل. ومع ذلك، دبّرت الولايات المتحدة الأميركية انقلاباً عسكرياً، وجرى خلاله اعتقاله وقتله عام 1972.
كولومبيا الحلقة المقبلة؟
وبطبيعة الحال، يرى أن المسار العام لدول أميركا اللاتينية الأخرى معروف أيضاً. ويظن أن كولومبيا قد تشكّل في المرحلة المقبلة حلقة أو مرحلة جديدة ضمن هذا المسار، ولا سيما بعد التحولات السياسية الأخيرة، لا سيما أن رئيس كولومبيا الحالي غوستافو بيترو يُشهر العداء للولايات المتحدة الأميركية. ومن هذا المنطلق، سنشهد محاولات أميركية جديدة لإعادة ضبط المجال الأمني والسياسي والاقتصادي في أميركا اللاتينية.
العقيدة التي تحكم القارة منذ 1823
ويؤكد مرةً أخرى على مبدأ «مونرو» الذي أُعلن عام 1823، ثم جرى تثبيته لاحقاً بصورة أكثر عملية. فقد أعاد الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت الأول، خلال ولايته بين عامي 1901 و1908، تفعيل هذا المبدأ وتحويله من إطار نظري إلى سياسة عملية.
فـ«روزفلت الأول»، في مطلع القرن العشرين، كما يوضح شومان، عمل على نقل مبدأ مونرو من كونه إعلاناً سياسياً إلى قاعدة تنفيذية في السياسة الخارجية الأميركية. وقد أُطلق على هذا التوجّه آنذاك مفهوم إبعاد القارة الأميركية عن الصراعات الدولية، والمقصود بذلك، في ذلك الزمن، هو إبعاد الدول الأوروبية التي كانت تشكّل إمبراطوريات كبرى عن التدخل في شؤون القارة الأميركية. وكان الهدف من ذلك ترسيخ الهيمنة الأميركية سياسياً وأمنياً واقتصادياً، ومنع أي دولة خارجية من التدخل في شؤون القارة الأميركية.
لكنه يستثني في هذا الإطار ما حصل في كوبا، والتي أدت في عام 1961 إلى ما عُرف بأزمة الصواريخ الكوبية، التي كادت أن تقود إلى حرب نووية، وقد انتهت تلك الأزمة بإجبار الاتحاد السوفياتي آنذاك على سحب صواريخه من كوبا، مقابل عدم غزو الولايات المتحدة الأميركية لكوبا.
كما أن نيكاراغوا شهدت انتصار التيار اليساري عبر الثورة المعروفة باسم الثورة الساندينيستاس، غير أن الولايات المتحدة الأميركية استوعبت الواقع في نيكاراغوا.
ويرى أنه من خلال اللوحة التي عرضها، يتبيّن وجود استراتيجية أميركية ثابتة تقوم على عدم السماح بقيام دول أو أنظمة حكم في القارة الأميركية تكون معادية، أو حتى مستقلة إلى حدٍّ يتعارض أو يتباين أو يتصادم مع المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية، واليوم، يعتبر أن هذا الواقع ما زال قائماً.
مستقبل الحكم في فنزويلا
أما عن مستقبل الحكم في فنزويلا بعد اعتقال مادورو، فيتوقع أن يضطلع الجيش بالمهمة، متسائلاً عن حجم التنسيق مع الولايات المتحدة، لا سيما أن هناك مرحلة انتقالية يجب أن تُدار فيها البلاد، وبالتالي فإن الجيش هو الأكثر تأهيلاً لإدارة المرحلة المقبلة.
وحذّر من أنه في حال غياب إدارة عسكرية حازمة وقادرة في المرحلة المقبلة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام الفوضى، ويؤدي إلى اندلاع حروب أهلية، ومن ثم إلى سيناريوهات التقسيم أو التقاسم بين القوى المختلفة.
المرشح لخلافة مادورو
وبرأيه، إذا لم يتم خلال ساعات أو أيام قليلة تحديد الإدارة التي تدير فنزويلا، فإنها ستذهب إلى حالة من الفوضى العارمة. ويرجّح أن يكون هناك تنسيق قوي مع الجيش لإدارة المرحلة لفترة غير معروفة، لأنهم في النهاية سيدعون إلى انتخابات، لا سيما أن رئيسة المعارضة الفنزويلية نالت جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو وهي مرشحة لإدارة المرحلة المقبلة. ولكن قبل ذلك، يجب أن تكون هناك سلطة لإدارة الفترة الحالية، ومن المتوقع أن يكون الجيش وضباط متعاونون مع الولايات المتحدة الأميركية هم من يتولّون السلطة على الأرجح.