"ليبانون ديبايت"
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تتقدّم الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها إسرائيل بخطوات مدروسة لترسيخ معادلة جديدة تقوم على الهيمنة العسكرية والاقتصادية، وإعادة رسم خرائط النفوذ في مناطق النزاع الحساسة، تتحرك اسرائيل ضمن هذا الإطار باعتبارها رأس الحربة في الشرق الأوسط، مستفيدة من الغطاء الأميركي اللامحدود لتوسيع نفوذها وضرب كل قوة يمكن أن تشكّل تهديداً مستقبلياً لها. وبين منطق "الضربات الاستباقية" وتفكيك الدول وإضعاف الجيوش، تتقاطع المصالح الأميركية – الإسرائيلية عند هدف واحد: إعادة تشكيل العالم وفق موازين قوى تضمن التفوق الدائم وتمنع نشوء أي أقطاب منافسة.
في قراءة سياسية معمّقة لمسار التطورات الإقليمية والدولية، قدّم الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم رؤية شاملة لطبيعة الدور الأميركي ـ الإسرائيلي، وانعكاساته على المنطقة عموماً، ولبنان على وجه الخصوص، وذلك في حديث إلى "ليبانون ديبايت".
مشروع مستمر منذ سقوط الاتحاد السوفياتي
يرى بيرم أن ما قامت به الولايات المتحدة في فنزويلا يندرج في سياق مشروع استراتيجي قديم بدأ مع سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1990، ويهدف إلى الهيمنة على مقدرات العالم والسيطرة على المناطق الاستراتيجية. ويشير إلى أن واشنطن لم تُخفِ نياتها يوماً تجاه فنزويلا، بل سبق أن هدّدت رئيسها بشكل علني، ما يجعل ما حصل متوقعاً وغير مفاجئ.
ويؤكد أن الولايات المتحدة تواصل توجيه ضربات متتالية لكل القوى والأنظمة التي تعلن معارضتها للهيمنة الأميركية، انطلاقاً من شعورها بأنها تعيش ذروة قوتها السياسية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، تعتمد واشنطن سياسة الضربات الاستباقية تحضيراً لمرحلة مقبلة قد لا تمتلك فيها مستوى النفوذ والقوة ذاتهما.
تفويض مفتوح بلا قيود
وعن انعكاسات هذا المسار لبنان واعطاء اسرائيل الضوء الاخضر لضرب لبنان، يشير بيرم إلى أن الولايات المتحدة منحت إسرائيل منذ زمن الضوء الأخضر للتحرك كما تشاء، لافتاً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعطى رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حق تقدير الموقف بالكامل وفق ما تقتضيه مصلحة إسرائيل، ما يعني عملياً منحه «كرت بلانش» مفتوحاً، سواء لزيادة التصعيد أو الذهاب نحو اجتياح.
ويشدد بيرم على أن نتنياهو يتمتع بصلاحيات مطلقة ويتصرف على أساس هذا التفويض، متوقعاً أن يقوم، بالتنسيق مع أركان حكومته، بتقدير متطلبات المرحلة المقبلة، ما يجعل الأنظار متجهة إلى اجتماع الحكومة الإسرائيلية المرتقب يوم الخميس. إلا أنه يلفت في المقابل إلى أن نتنياهو لا يحتاج فعلياً إلى إذن من ترامب، إذ اعتاد على تنفيذ سياساته دون الرجوع إلى واشنطن، حتى في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن.
تفكيك الدول
ويحذّر بيرم من مخطط أميركي ـ إسرائيلي واسع النطاق يهدف إلى تفكيك الدول التي تناصب إسرائيل العداء. ويوضح أن إسرائيل بدأت بضرب القوة العربية التقليدية المتمثلة بالجيوش في الدول المحيطة بها، بحيث لم يبقَ أي جيش قادر على مواجهتها لا في سوريا ولا في العراق، فيما يبقى الجيش المصري مقيداً باتفاقية سلام تحكم علاقته بإسرائيل.
وفي السياق نفسه، عملت إسرائيل، كما يوضح بيرم، على ضرب مختلف قوى المقاومة، من "فتح" و"حماس" إلى "حزب الله" و"الجبهة الشعبية"، وهي قوى كان يمكن أن تشكّل تهديداً حقيقياً لها، ويرى أن سقوط النظام السوري وما تبعه من استسلام النظام البديل لشروط إسرائيلية شبه كاملة، سرّع في استهداف هذه القوى وإضعافها.
إعادة رسم الخرائط
ويعتبر بيرم أن ما يجري اليوم هو عملية تفكيك ممنهجة للأنظمة تمتد من سوريا إلى السودان وليبيا والعراق واليمن، وصولاً إلى أرض الصومال، حيث يتقاطع النفوذ الأميركي ـ الإسرائيلي مع مصالح روسيا والصين في القرن الأفريقي، الذي يُعد منطقة استراتيجية بالغة الأهمية.
الصراع التركي – الإسرائيلي
وفي ما يتعلق بالصراع التركي – الإسرائيلي، يلفت بيرم إلى أن إسرائيل اتخذت قراراً واضحاً بمنع تمدد النفوذ التركي، سواء في سوريا أو ليبيا أو القرن الأفريقي. ويعزو ذلك إلى سعي أنقرة لوراثة النفوذ الإيراني في هذه المناطق، ومحاولتها تولي زعامة العالم السني الإسلامي.
ورغم وجود تعاون اقتصادي بين تركيا وإسرائيل، إلا أن الأخيرة تبقى متوجسة من الطموحات التركية، كما تخشى من القوى الجهادية الموجودة ضمن التشكيلات المسلحة في سوريا. ويشير بيرم إلى أن القلق الإسرائيلي من تركيا ينبع أيضاً من عدم ضمان استمرارية الهدنة غير المعلنة معها، إذ يمكن لأي تحول سياسي داخلي أن يجعل أنقرة في موقع العداء المباشر لإسرائيل.
رفض شعبي راسخ
ويؤكد بيرم أن إسرائيل، على الرغم من توقيعها معاهدات سلام وتطبيع مع عدد من الأنظمة العربية، لا تحظى بأي قبول شعبي في العالمين العربي والإسلامي. فالشعوب، بحسب رأيه، لم تتقبل إسرائيل يوماً، حتى وإن فُرض التطبيع على الأنظمة بالقوة السياسية والضغوط الدولية، محذراً من أن كل هذه المعادلات قد تنهار في لحظة واحدة في المستقبل.
لبنان في المرحلة المقبلة
وبالعودة إلى الوضع اللبناني، وما يمكن أن ينتج عن اجتماع الحكومة الإسرائيلية المرتقب، يقدّم بيرم تحليلاً شخصياً يرجّح فيه أن تفضّل إسرائيل الإبقاء على الوضع الحالي. لكنه يحذر في الوقت نفسه من الركون إلى العقل الإسرائيلي، الذي لا يتوقف عن التخطيط للمرحلة الجديدة التي بدأت فعلياً.
ويرى أن إسرائيل تشعر اليوم بالارتياح حيال واقعها الحالي، وتواصل الضغط على الدولة اللبنانية عبر "الميكانيزم"، إلا أن الأولوية القصوى في حساباتها تبقى إيران، باعتبارها التحدي الأكبر في المرحلة الراهنة، ما يجعل كل الاحتمالات مفتوحة في ضوء تطورات الإقليم.