"ليبانون ديبايت" - فادي عيد
ثمّة فريق سياسي في لبنان يتّخذ مواقف لا تنسجم، بحسب منتقديه، مع التحوّلات العميقة التي شهدتها البيئة الإقليمية والدولية خلال العقود الماضية. ويُؤخذ على هذا الفريق أنّه يستند في مقاربته السياسية والأمنية إلى قراءات تعود إلى مراحل تاريخية سابقة، من دون إيلاء ما يكفي من الإهتمام لتغيّر موازين القوى، وتبدّل الأدوار الإقليمية، وتحوّل أولويات الدول العربية والمجتمع الدولي.
فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، تغيّر النظام الدولي بسقوط الإتحاد السوفياتي، وتبدّلت المعادلات الإقليمية في المشرق العربي، كما شهدت سوريا تحوّلات بنيوية، وتعرّضت إيران لضغوط سياسية واقتصادية متزايدة، في حين تغيّر موقع إسرائيل ودورها، وكذلك تغيّر لبنان من حيث تركيبته الداخلية وقدرته على تحمّل النزاعات والحروب. ويرى منتقدو هذا الفريق، أنّ تجاهل هذه المتغيّرات يحدّ من قدرته على صياغة سياسات واقعية قابلة للإستمرار.
في السياق نفسه، يلاحظ مراقبون، أنّ المزاج العام في العالم العربي يتّجه بصورة متزايدة نحو تعزيز دور الدولة المركزية ومؤسّساتها، ورفض وجود تشكيلات مسلّحة خارج إطار الجيوش النظامية. وقد عبّرت أكثر من دولة عربية عن هذا التوجّه، من بينها مصر، حيث أكّد الرئيس عبد الفتاح السيسي رفض بلاده لأي محاولات لإنشاء ميليشيات موازية للجيوش الوطنية، لما لذلك من تداعيات سلبية على استقرار الدول.
ضمن هذا المناخ، يبرز نقاش داخلي لبناني متزايد حول مستقبل السلاح خارج إطار الدولة، ودوره في الحياة السياسية والأمنية. ويعتبر أصحاب هذا الطرح، أنّ استمرار هذا الواقع يضع لبنان في موقع صعب عربياً ودولياً، ويؤثّر على فرصه في الحصول على دعم اقتصادي أو استثمارات خارجية. كما يُشار إلى أنّ هذا الملف بات محوراً أساسياً في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة اللبنانية.
داخلياً، تتحدّث تحليلات سياسية، عن تنامي حالة نقاش داخل البيئة الشيعية نفسها بشأن الكلفة السياسية والإقتصادية والأمنية للصراعات الإقليمية، وتأثيرها على الإستقرار الإجتماعي والمعيشي. ويلاحظ بعض المراقبين وجود تباينات في الرأي داخل هذه البيئة، بين من يتمسّك بالخيارات القائمة، ومن يدعو إلى مراجعة شاملة للأدوار والأولويات.
أما على المستوى الإقليمي، يُشار إلى أنّ مفهوم “وحدة الساحات”، الذي طُرح في السنوات الماضية بوصفه إطاراً تنسيقياً بين قوى مختلفة في المنطقة، قد واجه تحديات عملية خلال التطورات الأخيرة، حيث أظهرت الأحداث تفاوتاً في طبيعة التفاعل بين هذه الساحات وحدود القدرة على التنسيق الشامل في المواجهات العسكرية.
في هذا الإطار، يرى محلّلون أنّ النقاش الأساسي في لبنان لم يعد محصوراً بقدرات أي طرف أو نواياه، بل يتمحور حول دور الدولة ومسؤولياتها الدستورية. ويُطرح سؤال جوهري حول كيفية إعادة تثبيت حصرية القرار الأمني والعسكري بيد المؤسّسات الشرعية، وآليات التعامل مع أي استخدام للأراضي اللبنانية في نزاعات إقليمية.
ويؤكّد هذا الطرح، أن أي مسار لتعافي لبنان سياسياً واقتصادياً يتطلّب وضوحاً في الخيارات السيادية، وتحديداً في ما يتعلّق بمسألة السلاح خارج إطار الدولة، فبالنسبة إلى المجتمع الدولي، يشكّل هذا الملف شرطاً أساسياً لأي دعم محتمل، فيما يرى جزء من اللبنانيين أنّ معالجة هذه الإشكالية تمثّل مدخلاً لإعادة بناء الدولة، واستعادة الثقة الداخلية والخارجية، وإنهاء حالة الجمود التي يعيشها البلد منذ سنوات.