في هذا الإطار، شدّد المحامي حسن بزي، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، على أنّ مقاربة ملف الموقوفين يجب أن تنطلق من مبدأ حقوق الإنسان، بعيدًا عن أي تصنيف طائفي أو ديني أو مناطقي، معتبرًا أنّ الظلم لا يُقاس بالانتماء، بل بمدى احترام المعايير القانونية وضمان المساواة أمام القضاء.
ويقرّ بزي بوجود مشكلة حقيقية، بل مجموعة معضلات متراكمة، تعيق عمل القضاء وتنعكس مباشرة على الموقوفين. فمن جهة، تتحمّل السلطة السياسية مسؤولية تعطيل عدد من الملفات الحسّاسة، عبر قرارات تؤدي إلى إبطاء المحاكمات أو تجميدها، ومن جهة أخرى يتحمّل القضاء نفسه جزءًا أساسيًا من المسؤولية، نتيجة طول الفترات الزمنية بين الجلسات وتأخير إصدار الأحكام.
وفي السياق السياسي، يلفت بزي إلى أنّ الحديث عن تغيّر موازين القوى، أو عن عهد جديد وحكومة لا تتبع لمحور معيّن، لم يُترجم أي تحوّل فعلي في ملف الموقوفين الإسلاميين. فبرغم تبدّل الخطاب السياسي، لم يطرأ أي جديد على هذا الملف، ما يؤكّد، بحسب قوله، أنّه يخضع لحسابات سياسية مختلفة، تتجاوز ربطه بطرف سياسي محدّد أو بمحور بعينه.
ويطرح بزي تساؤلات مباشرة في هذا الإطار، أبرزها: طالما أنّ الأكثرية داخل السلطة الحالية تمتلك القدرة على إقرار قانون العفو العام، فلماذا لا يتمّ التصويت عليه؟ وإذا ثبت أنّ بعض الموقوفين تعرّضوا لظلم واضح، لماذا لا يُصار إلى منحهم عفوًا خاصًا من رئيس الجمهورية، ضمن الصلاحيات الدستورية الممنوحة له؟
وعلى المستوى اللوجستي، يشرح بزي أنّ الأزمة القضائية لا تنفصل عن الواقع المتدهور للسجون اللبنانية، التي تعاني اكتظاظًا شديدًا وترهّلًا واضحًا، في ظل ارتفاع معدلات الجريمة، ولا سيّما تلك المرتبطة بغير اللبنانيين. ويضاف إلى ذلك النقص الحاد في آليات نقل الموقوفين إلى المحاكم، ما يؤدي إلى تأجيل الجلسات مرارًا بسبب عدم سوقهم، وهي مشكلة تطال جميع الموقوفين على امتداد الأراضي اللبنانية.
ويذكّر بزي بسلسلة العوامل التي عطّلت عمل القضاء خلال السنوات الماضية، من إقفال المحاكم منذ انتفاضة 17 تشرين، إلى تداعيات جائحة كورونا، مرورًا بإضرابات القضاة والمحامين والمساعدين القضائيين، وصولًا إلى تأثيرات الحرب والأزمات المتلاحقة. وفي كل هذه المحطات، يبقى الموقوف هو من يدفع الثمن الأكبر، عبر تمديد احتجازه وتأجيل البتّ بمصيره.
ويؤكّد في ختام حديثه أنّ معالجة هذه المظلومية تتطلّب مقاربة شاملة، تنطلق من 4 عناوين أساسية، أبرزها إقرار قانون عفو عام ضمن شروط وضوابط واضحة، وتوسعة السجون وتحويلها إلى أماكن إصلاحية ومنتجة اقتصاديًا وفكريًا بدل تحويلها إلى أماكن احتجاز تفتقر إلى أدنى مقومات الكرامة الإنسانية.
كما يدعو إلى تعديل القوانين المتعلّقة بالحبس الناتج عن عدم دفع الغرامات بعد انتهاء مدة المحكومية، معتبرًا أنّ استمرار احتجاز هؤلاء يحمّل الدولة كلفة مالية إضافية، إذ تتحمّل الخزينة نفقات إطعامهم، بدل تحصيل الغرامات وإدخالها في الإيرادات العامة.
بهذا الطرح، يُعاد ملف الموقوفين إلى إطاره الصحيح: أزمة عدالة متراكمة، تتطلّب قرارات شجاعة ومعالجة جذرية، بعيدًا عن التوظيف السياسي والشعارات الشعبوية.