في هذا السياق، قدّم الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة قراءة معمّقة للمشهد اعتبر فيها أن مفاتيح المرحلة ليست بيد طهران، بل في واشنطن أولًا وأخيرًا. فبرأيه، الخيارات الفعلية المطروحة اليوم هي خيارات أميركية بالدرجة الأولى، فيما يقتصر هامش الحركة الإيراني على مسارين لا ثالث لهما: الردّ على أي ضربة محتملة، أو الذهاب إلى طاولة المفاوضات.
وفي حديث إلى "ليبانون ديبايت"، يرى حمادة أن الإيرانيين يفضّلون بطبيعة الحال المسار التفاوضي، إذ يعتبرونه ملعبهم الأساسي، ويعتقدون أنهم يتقنون فن المناورة فيه. إلا أنه يلفت إلى أن التفاوض ليس مهارة لفظية أو دبلوماسية فحسب، بل هو امتداد مباشر لمعادلة القوة. فنجاح أي مفاوض يتطلب قوةً يستند إليها، وقدرةً على المناورة وكسب الوقت، وهو ما كان متاحًا لطهران في مراحل سابقة، يوم كانت الإدارات الأميركية، ولا سيما في عهد الرئيسين باراك أوباما وجو بايدن، تترك لها هامشًا واسعًا للتحرك.
ويشير إلى أن الحديث المتكرر عن "براعة" المفاوض الإيراني، وخصوصًا وزير الخارجية عباس عراقجي، هو في جزء منه نتاج تلك المرحلة التي "أُعطي فيها الإيرانيون الحبل"، على حدّ تعبيره، لا نتيجة تفوّق مطلق. فالمفاوضات، كما يصفها، تجري بين القوة العالمية الأولى بلا منازع، وقوة إقليمية تعرّضت خلال الأشهر الماضية لضربات قاسية أثّرت على موقعها في ميزان القوى.
حمادة يلفت إلى أن المسألة اليوم مرتبطة إلى حد بعيد بشخص الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فإذا قرر مدّ الحبل للمفاوض الإيراني، فقد تنجح طهران مجددًا في كسب الوقت، بانتظار تحولات داخلية أميركية محتملة، كخسارة الجمهوريين إحدى غرفتي الكونغرس في الانتخابات المقبلة، ما قد يغيّر موازين القوى في واشنطن. وبالتالي، حتى الرهان السلبي الإيراني يبقى في جوهره رهانًا على الداخل الأميركي.
وفي موازاة ذلك، يبرز اللقاء المرتقب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وترامب في واشنطن، والذي يُتوقع أن يتصدر الملف الإيراني جدول أعماله، إلى جانب الحرب في غزة. ويعتبر حمادة أن نتنياهو قد يستخدم أوراقًا أخرى، بينها ملف غزة وما يشهده من تجاذبات أميركية – إسرائيلية، لدفع الإدارة الأميركية نحو خيار أكثر تشددًا تجاه طهران، وصولًا إلى ضربة قاسية للنظام الإيراني أو حتى العمل على إسقاطه.
ومع أن المواقف بين واشنطن وتل أبيب قد لا تكون منسجمة بالكامل بشأن توقيت أو شكل أي تحرك عسكري، إلا أن قرار الحسم يبقى في يد ترامب، بحسب حمادة، لا سيما أن الحشد العسكري القائم هو حشد أميركي بالدرجة الأولى، برًا وبحرًا وجوًا.
وفي قراءة لافتة للمشهد العسكري، يشير إلى امتداد الانتشار الأميركي في محيط إيران، ولا سيما على حدودها الشمالية مع أرمينيا وأذربيجان وتركمنستان، وهي حدود طويلة ومفتوحة، يصعب على طهران تغطيتها بالكامل. كما يتحدث عن جسر جوي أميركي باتجاه هذه الدول، ما يضاعف منسوب القلق داخل القيادة الإيرانية.
في المقابل، تتحرك طهران دبلوماسيًا على خط الوساطات. فقد شهدت الأيام الماضية زيارة لعلي لاريجاني، أحد أبرز وجوه المؤسسة الأمنية والسياسية الإيرانية والمقرّب من المرشد علي خامنئي، إلى سلطنة عُمان، حاملًا رسالة يُرجّح أنها تتضمن ردًا إيرانيًا على المقترحات والمطالب الأميركية التي طُرحت في جولة التفاوض الأخيرة بتاريخ 6 شباط 2026. كما يُنتظر أن ينتقل إلى قطر، في مسعى لإبقاء قنوات الوساطة مفتوحة مع واشنطن عبر مسقط والدوحة.
ويرى حمادة أن هذا التحرك يعكس إدراكًا إيرانيًا لخطورة الحشد العسكري الأميركي، إذ إن كل تعزيز جديد يُقرأ كمؤشر على تحضير جدي لحرب محتملة. وفي ظل سباق الزمن القائم، تحاول واشنطن، وفق تقديره، تثبيت عناصر الضغط، فيما تسعى طهران إلى كسب الوقت وتقديم تنازلات محدودة.
ويشير إلى أن آخر ما نُقل عن الجانب الإيراني هو استعداده لتخفيض جزء كبير من نسبة تخصيب اليورانيوم في منشآته النووية، غير أن هذا الطرح لا يلبّي السقف الأميركي الذي يطالب بوقف التخصيب نهائيًا وتسليم الكميات التي تتجاوز ما كان مسموحًا به في اتفاق عام 2015. وهو شرط ترفضه طهران حتى الآن، في ظل امتلاكها كميات كبيرة من المواد المخصبة، بعضها بمستويات عالية.
ويختم حمادة، بالقول: تبدو الصورة مفتوحة على احتمالين متوازيين: تصعيد عسكري تتراكم مؤشراته على الأرض، أو تفاوض شاق يختبر حدود القوة والوقت معًا. وبينهما، تبقى كلمة الفصل في واشنطن، فيما تحاول طهران أن تشتري مزيدًا من الوقت… بانتظار ما سيحمله لقاء اليوم.