Back to homepage
 

مهلة تأليف الحكومة والعيش المشترك!

"ليبانون ديبايت" - المحرّر السياسي

إنَّ الدستور في المطلق هو القانون الأعلى الذي تتّفق على تأليفه مجموعات من الناس بهدف تنظيم العيش المشترك فيما بينها؛ وذلك تأسيساً على عادات وتقاليد ثابتة قامت عليها مجتمعاتها. فيأتي هذا القانون الأعلى أي الدستور، ليحدّد القواعد الأساسية لشكل الدولة، وبالتالي نظام الحكم فيها، ملكي أم جمهوري، رئاسي أم برلماني. كما ليُسمّي السلطات العامة فيها من حيث التكوين والإختصاص، والعلاقات بينَ تلك السلطات، وحدود كل سلطة في التعاطي مع الأخرى، كما واجبات وحقوق الجماعات والأفراد المكوّنة لها، والضمانات لحماية تلك الحقوق.

فيسمو هذا القانون المطلق أي الدستور، على سائر القوانين والعادات والتقاليد المعمول بها، بحيث لا يصحّ تفسير لأي قانون أو عادة أو تقليد سياسي بطريقة مخالفة لمنطوقه. فيصبح له الطبيعة الآمرة في كل قاعدة ينص عليها، حفاظاً على حسن العلاقة بين السلطات العامة من جهة، والجماعات والأفراد من جهة ثانية؛ كما لضمان حسن تطبيق مضمون النصوص القانونية. مما يلزم دون أي شك، تطبيق تلك النصوص القانونية حرفياً منعاً من أي تفسير خاطئ.

وكون أن طبيعة المواد الدستورية هي جامدة، أي لا يمكن تعديلها "غبّ الطلب" وهي أيضاً ذات طبيعة آمرة، فإنَّ كل فقهاء القانون الدستوري في أوروبا مثلَ جوزف بارثليمي وليون دوغي وجورج فودال وموريس هوريو؛ كما في الولايات المتحدة الأميركية مثل ويليام سامويال جونسون وروجر شيرمان وجايمس ماديسون؛ وفي لبنان كالبروفسور الياس الحسواني والدكتور أنطوان خير، إتفقوا على أن دور "القياس" في التفسير، هو الأصلح عندَ وجود حالة غير منصوص عليها في الدستور، فيطبق عليها قاعدة حالة منصوص عليها، وذلك لإتفاق الحالتين في "العلّة". وهو ما إعتمده أيضاً الفقه الإيطالي والألماني في تفسير الدساتير الوطنية.

وبالعودة إلى الدستور اللبناني في المادة 77 منهُ في فقرتها الثانية، يتبيّن أنها تنص على قاعدة متعلّقة بمهلة ذات طبيعة آمرة؛ عند حلّ مجلس النواب، وإجراء إنتخابات جديدة، وذلك في مدّة "ثلاثة أشهر". فهذه المهلة موضوعياً هي أعلى مهلة نص عليها الدستور اللبناني عند توقّف مكوّن سياسي كمجلس نواب عن القيام بواجباته الدستورية، تماماً كما وحال توقّف الحكومة عن القيام بواجبها الدستوري.

فهذه الحالة الأخيرة لم ينص عليها الدستور اللبناني لناحية المدّة المعقولة للخروج مما يُعرف بحالة "تصريف الأعمال"؛ إلا أنها من حيث المضمون تشكّل حالة غير منصوص فيها على ضابط دستوري، إنما مماثلة لحالة المادة 77، والتي يطبق فيها قاعدة مهلة الثلاثة أشهر، وذلك لإتفاق الحالتين في "العلّة"؛ ألا وهي توقف مكوّن دستوري - سياسي عن خدمة المرفق العام، والحفاظ على الحقوق والموجبات العامة، لا سيما وأن الحكومة المنبثقة من التيارات السياسية النيابية تعكس وجهة مجلس النواب في كيفية إدارة الحكم.

وبالتالي، فإنه في القياس الدستوري لنص المادة 77 من الدستور اللبناني، فإن مهلة تأليف الحكومة لا يجوز أن تتعدى الثلاثة أشهر. والهدف مما أراد المشترع اللبناني إفهامه، أنه مهما كانت الخلافات والعوائق السياسية والقانونية والإجتماعية، فإن المهل الدستورية وُضعت ليس فقط لوضع ضوابط للسياسيين في الأداء، ولكن الأهم أن هذه المهل قد وُضعت لتُحترم حفاظاً على إستمرار شكل النظام السياسي الحاكم. وإلا لا نعود في إدارة الدولة أمام نظام ديمقراطي وبرلماني؛ بل نكون ننجرف إلى تطبيق نظام أكثر ديكتاتوري من حيث المضمون؛ حيث يتفرّد أحد المكوّنات السياسيّة فيه، بإدارة الحكم، ويصبح بالتالي الحاكم الفعلي للنظام السياسي السائد تحت عنوان "الديمقراطية".

وهو ما تنبّه إليه المشترع اللبناني إضافةً في الفقرة "ي" من مقدمة الدستور؛ حيث نصّت أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". أي أنه لا يحق لأي مكوّن أو سلطة سياسيّة أو حزب أن يتبع وسائل من شأنها أن تقوّض قواعد الدستور اللبناني التي تنظّم العيش المشترك، والآيلة بالنتيجة إلى وضع نظم يُحدّد بموجبها نوع النظام السياسي الحاكم. فالعبرة ليست إلاّ في التطبيق.

فيكون أي طرح سياسي مستجدّ على وسائل وأسس تأليف الحكومة من أي مكوّن سياسي هو مخالف للدستور إن كان من شأنه، أولاً؛ أن يؤخّر تأليف أي كيان سياسي كمجلس النواب أو الحكومة خارج مهلة الثلاثة أشهر، وثانياً؛ إذا خالف قاعدة آمرة عبر إدراج أي طرح سياسي من شأنه أن يمّس بميثاق العيش المشترك بينَ الطوائف والمذاهب كافة. بحيث يصبح هذا الطرح السياسي تحت شعار إدارة الدولة، أعلى وأسمى من الدولة والحكم والدستورعلى حدٍ سواء! مع الإشارة إلى أنه في أي نظام سياسي، لا يمكن للحريات السياسيّة أن تتعدّى على الضوابط الدستوريّة.

فهل يجوز إعتماد وسائل سياسيّة، من شأنها خلق أوضاع سياسيّة مخالفة لمنطوق الدستور والعيش المشترك؟ وما الهدف من ذلك؟ طبعاً ليس للحفاظ على النظام الديمقراطي.
المحرر السياسي |
2018 - تشرين الثاني - 26

Facebook    Tweet
   

المواد المتوفرة في الموقع تحت رخصة المشاع الإبداعي
تواصلوا معنا عبر   HyperLink   HyperLink
من نحن   |   إتصل بنا   |   شروط التعليق   |   وظائف شاغرة   |   للاعلان معنا
   
  تم تصميم وتطوير الموقع من قبل شركة ايتيك