Beirut
22°
|
Homepage
17 تشرين الأول: الزمن اللبناني الجديد
الجمعة 08 تشرين الثاني 2019

"ليبانون ديبايت"- أنطوان الخوري طوق

لعلّ أكثر ما يثير العجب في المشهد السياسي في لبنان حاليّاً هو ما يعلنه السياسيون والمسؤولون من أعلى الهرم إلى أسفله في تصريحاتهم وإطلالاتهم المتلفزة من أنهم يتبنّون مطالب الشعب اللبناني الثائر منذ 17 تشرين، وذلك بالقول إن المطالب المرفوعة قد كانت مطالبهم وبأن وجع الناس هو من وجعهم، وصراخ الفقراء والعاطلين عن العمل هو بعضَ من صراخهم، ومكافحة الفساد هو هدفهم، حتى بات المراقب يتساءل: إذن لما كل هذا الغضب ولما كلّ هذا الصراخ في الشوارع والساحات ما دامت الطبقة السياسية الحاكمة تشارك شعبها أوجاعه ومآسيه؟

وقد وصل الأمر ببعضهم إلى دعوة المعتصمين للبقاء في الشوارع ولكن دون إقفال الطرقات لأن انتفاضة الغاضبين قد ساعدتهم في إعداد الأوراق الإصلاحية وإطلاق الوعود الجذّابة بالإمتناع عن فرض الضرائب وبتحقيق حلم الدولة المدنية وبمكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة وإنجاز ضمان الشيخوخة وقانون موحّد للأحوال الشخصية، وقد زادوا على ذلك بأن ثورة تشرين هي التي أزالت من أمامهم العوائق التي وضعها الآخرون في طريقهم (وهنا نتساءل: من هم هؤلاء الآخرون، ومن أي كوكب؟ )وبأنهم كانوا في طليعة المناضلين لتحقيق رفاهية الشعب، ولكن خصومهم وحلفاءهم في السلطة هم الذين حالوا دون ذلك.


كما وصل الأمر ببعض من هم في سدّة المسؤولية إلى وضع برنامج للمتظاهرين، كيف يتظاهرون ومتى وكيف يتصرّفون حتى لا يخدشوا حياء الطبقة السياسية، وكأن هذا البعض مترفّع عن الشتيمة أو كأنه يحترم سامعيه ومشاهديه مع العلم بأن أغلب البرامج السياسية المتلفزة والتي تتبدّل عليها نفس الوجوه كانت تنتهي بالتضارب بالكراسي وبأكوا ب المياه والسباب والشتيمة مما كان يدفع بالعديد من الآباء والأمهات إلى إطفاء التلفزيونات حمايةً لأولادهم من العنف والبذاءة.

عجباً لهذه الطبقة السياسية كلّها (يعني كلّها) كيف تمادت وما زالت تتمادى في الإستخفاف بعقول وذكاء وذاكرة اللبنانيين، كيف تتمادى في استغبائهم والكذب عليهم، وفي تزوير الوقائع والأحداث مع ان اللبنانيين شهودٌ على جوعهم العتيق للسلطة والمال، وشهودٌ على صراعاتهم وتقلّباتهم وتقاتلهم على الحصص في المواقع والوظائف، وعلى صفقاتهم وعمولاتهم، شهودَ على وقاحتهم وبطرهم وسرقاتهم العلنية، وإضافةً إلى نهبهم المال العام فقد سرقوا من اللبنانيين أحلامهم فأضحى كلّ شاب وشابة مشروع هجرة إلى المنافي البعيدة، كما سرقوا من الأسر اللبنانية شعورها بالأمان فباتت رهائن القلق واليأس والخوف من الغد الآتي.

سياسيو لبنان لم يبنوا وطناً وإنما أداروا صالة قمار حيث الرهانات القاتلة والتآمر والنهب المنظم. جعلوا من الوطن سيركاً كبيراً حيث الألعاب البهلوانية والرقص على الحبال، يتعاركون ثمّ يتصالحون ثمّ يقتتلون، ويلعبون أدوار الضحايا ويحشدون جيوشهم الإلكترونية المسخرّة لتمجيد آلهة أحزابهم ولهجاء خصومهم، ولضخّ سمومهم الطائفية والمذهبية وتلميع فشلهم. لقد تمادوا طويلاً في خرق الأعراف والقوانين والدساتير لإشباع شبقهم السلطوي ونهمهم المزمن للوجاهة.

كما تمادوا في إذلال شعبهم وتجويعه وقهره ونهبه والتنكر لأبسط حقوقه فاستباحوا البر والبحر محولين هذا البلد الجميل إلى مكبّ ومطمر ومحرقة دون أن يرفّ لهم جفن ودون أن يقرّوا بخطأ أو فشل أو سوء تقدير، فقد أقنعوا اللبنانيين بأن التغيير في هذه البلاد مستحيل وبأن لبنان هو مجموعات قبلية وطائقية وحزبية قدرها أن تتقاتل وتتناحر إلى ما لا نهاية، وليس عندهم ما يقدمونه للناس سوى التهديد إما بالجوع والإنهيار وإما بعودة الحرب الأهلية.

أما وقد خرج الشعب اللبناني إلى الشوارع والساحات في أرقى ثورة في تاريخ لبنان والمنطقة وفي أرقى إنتفاضة لاعنفية يعجز المألوف من الكلام عن الإحاطة بها ووصفها. فقد بدت الطبقة السياسية كما بدا المحللون السياسيون والمعلّقون الذين تربّوا في بلاطاتها وكأنهم خارجون من تحت التراب أو من زمن غابر أو من ماض سحيق وقد تجاوزتهم الأزمنة، بدوا غرباء خارج العصر إن على مستوى التلعثم والإرتباك وإن على مستوى الوعود المرتجلة وإن على مستوى لغتهم السياسية ومصطلحاتهم التي بدت عفنةً وإن على مستوى المكابرة والإنكار والتبرؤ من خطاياهم وتسوياتهم ورهاناتهم.

لقد بدا سياسيو ما قبل 17 تشرين مخلوقات عجيبة بوجوه جامدة ومشاعر بليدة وكأنهم ابتلعوا ألسنتهم يحاذرون مواجهة شعبهم الرافض لبهلوانياتهم، يحاذرون المرور قرب ساحات اعتصامه والمجاهرة بانتماءاتهم الحزبية والتلويح براياتهم، يخشون مخاطبة المعتصمين بحيث بدت عدّتهم الحزبية والسياسية التي طالما تباهوا بها خردةً صدئة، فلا الطائفة وحقوقها ولا الحزب ولا المنطقة ولا مقاومة العدوّ ولا القضايا التي يخرجونها من جوارير الحرب الأهلية ولا التخويف من الآخر المختلف جنسياً وسياسياً وفكرياً ودينياً ومناطقياً، كلها أمورٌ منتهية الصلاحية ومن زمن آخر لا تصلح لهذا الزمن الجديد الذي أعلنه شباب وشابات لبنان في 17 تشرين.

لقد أعلن الشباب والطلاب زمناً عصرياً جديداً فيه كل مقومات الحداثة وفيه من أنفاس العاميات والثورات التحررية عبر التاريخ، إنه زمنٌ جديد يقطع مع الماضي القريب والبعيد، لا مكان فيه للوجوه المستهلكة المأخوذة بأمجادها الشخصية وعقد نقصها وجشعها، لا مكان فيه لتلك الوجوه التي احتلّت الشاشات والشوارع طويلاً في تلوث سياسي وبصري مقزّز.

إنه الزمن اللبناني الشاب الذي استعاد عصر النهضة والتنوير لا في لبنان وحسب وإنما بإلهامه كل المنطقة المحيطة به، لا مكان في هذا الزمن للسرقة والتحايل والرياء والعنف، لا مكان فيه للثرثرة السياسية والألسن الخشبية واللغو الكلامي، لا مكان فيه للمقدسات والمحرمات الزعاماتية، لا مكان فيه لآلهة السياسة ومعصومية الخطأ والفشل. أجل إنه زمنٌ شاب وربيعي تساقطت فيه الوجوه السياسية تساقط أوراق الخريف في ذبولها واصفرارها.

فالمعتصمون في ساحات المدن والقرى أعطوا حناجر للفقراء والمهمشين، أعطوا حناجر للأطفال والطلاب، وأعطوا رجاءً حقوقاً لذوي الإحتياجات الخاصة، كما أعطوا حناجر للنساء لتضحي المرأة اللبنانية عروس الثورات في العالم. المعتصمون في الساحات أعادوا الإعتبار إلى مواطنيهم في الجرأة على التحرر من التبعية وعلى التعبير عن أوجاعهم وتطلعاتهم، أعادوا إليهم الثقة بأنفسهم إلى أي طبقة اجتماعية انتموا كما أعادوا الإعتبار للأفكار التي ظن البعض أنها لا تصلح لهذه الأزمنة والأحلام إلى أجيال اعتقدت أنها أصبحت من الماضي وأن لا مكان لها في صياغة المستقبل. لقد أعادت الثورة الأمل والثقة بالأجيال الشابة فاختبر اللبنانييون نضجها وعمقها ووعيها وثقافتها وكفاءتها وقدرتها على المواجهة وعلى التغلب على الخوف وعلى قدرتها على الخلق والإبداع.

ثورة 17 تشرين هي ثورة قيمية أخلاقية في سلميتها وتحررها من التبعية واتّساعها لمختلف الإنتماءات والأعمار والشرائح الإجتماعية، هي ثورة أخلاقية بعدالتها ومساءلتها ومحاسبتها للمرتكبين. إنها ثورة ثقافية وتربوية، فما تعلّمه طلاب لبنان في الشوارع والساحات هو الأنفع والأجمل في مسيرتهم التعليمية فقد تعلّموا الجرأة والحرية ومقاومة العين للمخرز وقيم الصدق والنزاهة والمشاركة في صنع القرارت السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وهم يتدرّبون على كتابة تاريخ جديد لبلادهم في وعيهم لخصوصيتهم ولفرديتهم وقيمتهم كبشر لا كرعايا أو زبائن أو أزلام في قطعان طائفية وحزبية.

لقد أعادت انتفاضة 17 تشرين بناء سلّم قيم جديد من نظافة القلب والكف والعقل كما أعادت اكتشاف مساحات الأمان في لبنان، مساحات اللقاء وإمكانيات العيش معاً فطوت صفحات الحرب الأهلية برموزها وشعاراتها ومناطقها المقفلة والتي كان يحرص السياسيون على إبقائها حاضرةً لتأبيد سيطرتهم ونفوذهم، فأسقطت حصرية ونمطية المناطق. فكم بدا الله جميلاً أجمل منه في المعابد وهو يتوسّط ساحة النور في طرابلس دون أن يخشى السهر والفرح والرقص والغناء والإختلاط بين الجموع المحتشدة، وكان المدينة عادت إلى نفسها وأهلها بعد غربة طويلة، عادت إلى تاريخها، تاريخ العلم والعلماء والعيش معاً وعادت عروساً جميلة على المتوسّط.

وكم بدا الشهداء في وسط بيروت مزهوّين بالجموع ومرتاحين للجم المتاجرين بشهادتهم، وكم بدت ساحتهم فرحة بالأطفال والباعة والحناجر الحرّة، عادت إلى هويّتها الحقيقية فهي "البلد" لا سوليدير ولا داون تاون.

وكم بدت النبطية وكفرمان وصور فرحةً وهي خارجة لتوها من المعتقل تندّد بالقصور المشيدة فوق المزارع والسجون مطرح الجنائن، وكم بدا ليل بعلبك مشمساً ودافئاً وآمناً، وكم بدت عجقة أعراس الطريق الساحلي في المتن وكسروان ممتعةً ولذيذة.

كل ما في لبنان يتجدّد ويتغيّر إلا السياسيون وأبواقهم ، إذ بينما كان نصف الشعب اللبناني في الشارع وأمام الشاشات كان السياسيون يتباحثون ويتآمرون ويتخبطون ويفتشون عن أفضل الطرق لإجهاض الثورة إن عبر ترهيبها بفتيان الأزقة أو تفخيخها بالمندسين وإن عبر ركوب موجتها أو رميها بالفجور والعمالة أو عبر تحميلها أثقال أي انهيار نقدي قادم أو عبر المراهنة على تعب المتظاهرين...

ولعلّ الأغرب من كل ذلك مطالبة الطبقة السياسية بممثلّين للثورة للتفاوض ورفع المطالب وكأن ما تصدح به التظاهرات مطالب وليست حقوقاً للمواطنين على الدولة او كأن على الشعب أن يقدّم حلولاً نيابةً عن الذين انتدبهم لتدبير شؤونه، وكأن هذه الطبقة قادمة من سفر بعيد أو قد استيقظت للتو من نوم عميق على وقع الهتافات وطرطقة الطناجر ففوجئت بأسعار الدولار وأرباح المصارف والمديونية العامة، كما فوجئت بالنفايات والكهرباء واحتكار المحروقات والادوية، واستتباع القضاء وبالرشاوى والسمسرات ونهب المال العام وسرقة أموال الإسكان والأملاك البحرية والمرفأ والمطار، كأنها فوجئت بالتوريث السياسي والعائلات الحاكمة وتسييس الجامعة اللبنانية ومحاصصة النقابات والبطالة وهجرة الأدمغة والإرتهان للخارج وتوسّع الدويلة على حساب الدولة... ولنفترض أن قيادةً ما للإنتفاضة قد تشكّلت، فمع من ستتحاور وفي البلاد ستّة رؤساء ومقرّر أعلى يمضون الوقت في تسوية خلافاتهم ونصب الكمائن لبعضهم البعض؟

ثورة 17 تشرين قد جعلت البلاد عاريةً، فبانت الطاقات والكفاءات التي يزخر بها لبنان والتي تمّ تهميشها باسم المحاصصة بعد أن عمدت الأحزاب اللبنانية إلى خصي أتباعها واستبعاد أي صوت مستقلّ. لقد تمّت تعرية البلاد فانكشقت عورات السياسيين أمام شعبهم وأمام شعوب العالم بحيث لم يعد بإمكان أمهر الأطباء وأغلى المجوهرات ترميم صورتهم وسمعتهم، كما انكشفت قدرة اللبنانيين العجيبة على تحمّل شعوذاتهم.

ولعل أكبر إنجاز لهذه الثورة ونحن على اعتاب المئوية الثانية لإعلان لبنان الكبير أنها جعلتنا نحب لبنان كما لم نحبه من قبل، وجعلت مطارحنا أحلى بعد ما كدنا نكفر بها وروت عطشنا لإمكانية التغيير فلم تعد عيوننا ترنو إلى البعيد الأميركي والأروبي إذ ضخّت في عروقنا دماً شاباً طازجاً دافئاً وبريئاً من كل أمراض السياسة اللبنانية في عقمها وبلادتها وسماجتها وتفاهتها وقساوتها وتوحّش إحتكاراتها وجشع أثريائها وقصر نظرها وماضويّتها، كما أعادت إلى هذا الوطن الصغير سمعته وإلى العلم اللبناني رونفه وبهاءه في ظل إنحسار الأعلام الفئوية.

ثورة 17 تشرين جعلتنا نعيد اكتشاف أنفسنا واكتشاف بعضنا البعض واكتشاف مدننا وشوارعنا وقرانا وقدراتنا فتصالحنا مع أنفسنا ومع المختلفين عنّا في مناخ من التسامح والثقة المتبادلة ودفء اللقاء والتوحد التلقائي للخطاب الأخلاقي والإجتماعي والإقتصادي والسياسي والإنساني.

صحيح أن الشعب اللبناني غاضب ولكن غضبه خلاق وفرح وجميل، نابعٌ من أعماق تمسّكه بالكرامة الإنسانية، لا مكان فيه للحقد والعنف، إنه غضب صاحب الحق الذي سلبت منه حقوقه جهاراً، لا مكان فيه للحذر والخوف، إنه غضب المتفائلين، لا مكان فيه للعجز والسوداوية.
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر